"وردة".. تجربة بائسة من صُناع لم يعتادوا البؤس!

  • مقال
  • 04:34 مساءً - 16 نوفمبر 2014
  • 1 صورة



أفيش فيلم وردة

على مر تاريخ السينما المصرية الطويل ظهرت تجارب لأفلام من فئة الـ"رعب" ليست بالعديدة وليست بالهامة أيضًا، ومع نجاح السينما الأمريكية وتطورها في صناعة أفلام الرعب العديدة والهامة، والتي يتكلف إنتاجها ملايين الدولارات، لم يُقدم المنتجون المصريون على المنافسة في ذلك النوع من الأفلام لحفظ ماء الوجه، ومن أقدموا على صناعة فيلم رعب مصري مؤخرًا، لم يقدموا للجمهور إلا سكتشات مبتذلة مصنوعة بفقر، لتأخذ فيلمها من خانة "الرعب" إلي خانة الـ"فارس/Farce"!

ولكن كان لـ " وردة" وضع خاص منذ الإعلان عنه، فمؤلفه ومنتجه " محمد حفظي" له تاريخ مشرف في صناعة أفلام الإثارة والحركة ( تيتو، فتح عينيك، ملاكي إسكندرية)، ومخرجه " هادي الباجوري" أثبت في أعماله القليلة الماضية أنه "مخرج شاطر" ولا يتعامل مع العمل الفني معاملة "النحتاية"، فرأينا في فيلمه " واحد صحيح" مخرج يحرك ممثليه بحرفية عالية وسهولة بدون افتعال، ووجدنا إيقاع وصورة جعلا من "واحد صحيح" فيلمًا يستحق المشاهدة بتركيز بعيدًا عن مائدة الطعام وإعلانات الفضائيات.

وأكمل الضلع الثالث لخلطة "حفظي" و"الباجوري" تريلر مثير استعانوا فيه بمشاهد إخراج أرواح حقيقية تجبر المشاهد أن يتوقع مستوى مماثل من الرعب داخل صالة "وردة"، وبالتالي، لم يجد محبي أفلام الرعب إلا أن يثقوا في "وردة"، والتي اتضح بعد ذلك أنها "ورطة"!

في رحلة عودة من هولندا إلى قريته الصغيرة لإنقاذ عائلته من وهم الشياطين والأرواح، وإقناعهم أن كل ما يحدث من قلق هو بسبب عمه الراغب في شراء أرضهم التي ورثوها عن أبيهم، يبدأ "وليد" وصديقته التونسية بتوثيق الرحلة بكاميرا فيديو ليصنعوا فيلمًا سيرفعه "وليد" على مدونته الشخصية، التي أقر أنها لا يشاهدها إلا قليلون، والتي لم يفتحها طوال أحداث الفيلم، ليجدوا شقيقته "ورده" تقوم بأفعال خارجة عن المألوف فيصل بها الحال في أخر الفيلم لقتل أمها، فيما يموت أخويها وليد ويوسف (الذي نعرف عنه فقط أنه شاهد سلسلة أفلام Iron Man) لأسباب غير معلومة!

إذا وجدت سرد هذه الأحداث غير منطقي لدرجة تصل إلى العبث فاعلم أن وصف العبث لا ينتج إلا المزيد من العبث!لا أعلم ما الذي حدث لأوراق السيناريو حتى تصل إلى نسختها النهائية التي رأيتها في صالة العرض، ولكني على يقين أن محمد حفظي لم يقصد إخراجها هكذا، شخصيات ذو بعد واحد وحوار ركيك من نوعية (سيبونا لوحدنا شوية، هكتبلها على دوا وهتبقي كويسة)، وأحداث غير مترابطة، وغير محسوبة وبطيئة، بالطبع لم يقصد حفظي أن يخرج ورقه هكذا.

على سبيل المثال، تعمد المؤلف إخفاء ما يحدث لـ"وردة" من نوبات شيطانية عن باقي شخصيات الفيلم للحفاظ على اللغز والصراع، إلا في مرة واحدة مع أمها فقط داخل غرفة مغلقة، إلا أنك مع ذلك تجد صديقة "وليد" التونسية تناقش تشنجات وحركات وردة بالتفصيل وتبدأ مقارنتها بما شاهدته على الـ"يوتيوب"، ويبدأ حوار بينها وبين "وليد" الذي يجاريها في النقاش أيضًا، والذي من المفترض أنه لم ير ما يحدث مع وردة بعد!

وجدنا الشيخ أكرم، يقرأ القرآن لوردة ليتعرف عما بها، ولكنها لا تستجيب فيعد الشيخ أكرم بالمجيء مرة أخرى بصحبة الشيخ الرويني الإسكندراني، لمعالجة وردة، ولكن لم نعرف ما علاقة الشيخ أكرم تحديدًا بإخراج الشياطين وكيف يؤثر القرآن على وردة ومن هو الشيخ الرويني ومن ماذا في الأصل تشتكي وردة! من المؤكد أن حفظي لم يقصد أن يخرج ورقه هكذا.

"كاميرا فيديو"، تيمة المخرج التي اختارها لتكون بطلة الصورة لتعطي طابع الواقعية للمشاهد، كادرات "هاندي كام" كانت هي العنصر الأقوي من بين عناصر الفيلم، ولكن أفسدتها قطعات المونتير غير السلسة بالمرة، ففي نهاية كل مشهد، صوت غلق عدسة الكاميرا، ثم يفتتح المشهد التالي صوت "تيت" الخاص بزر التسجيل، كان من الممكن قبول هذه الفكرة لو تم الاستعانة بها في المشاهد الأولي من الفيلم فقط لإيصالها للمتلقي، على أن يتم البناء عليها، ولكن لمدة ساعة ونصف جاءت جميع قطعات الفيلم هكذا، وهو ما كان مرهقًا بشدة للمشاهدين، حتى أنك تستطيع سماع عبارات التأفف بوضوح بين الحاضرين ما بين المشهد والآخر، بينما نجح هذا التكنيك عن جدارة في تحطيم جميع المحاولات لإيجاد إيقاع للعمل.

ولكن إحقاقاً للحق، تميز "وردة" عن معظم (لو لم يكن كل) أفلام الرعب العالمية التي تستخدم المؤثرات الصوتية والموسيقي لتضخيم وخلق حالة رعب، ولم يستخدم أيًا من المؤثرات الصوتية - عدا صوت أبواب تُغلق بسرعة - أو الموسيقي لأسباب لا يعرفها إلا الله وصناع العمل فقط.

بدأ الطموح قبل العرض بحتمية وجود مشاهد لإخراج شياطين، فحرمنا المخرج من ذلك واكتفى أن يعرض للمشاهدين بطل الفيلم وهو يشاهدها على جهاز "اللاب توب"! بدأ الطموح قبل العرض بحتمية وجود فيلمًا بلغتنا الأم، فاستقبل بطل الفيلم الحاضرين حائرًا ما بين اللكنة المصرية القاهرية واللكنة المصرية القروية لينسينا من هو ومن أين اتى وأين يكون، بدأ الطموح بأن نرى فيلم رعب، فحضرت كوميديا سوداء تسخر من مستوى صناعة السينما المصرية.

فيلم "وردة" هو تجربة بائسة بكل المقاييس، لكن هذه الحقيقة لا تمنع أن نلقي التحية لصُناعة الذين لم يعتادوا البؤس وقرروا التجريب، فـ"التجريب" في حد ذاته هو أصل التطور والتقدم ويفرز كل ما هو جديد، هناك العديد والعديد من الأفلام الأمريكية التي تصنف "رعب" وهي أقل من مستوي فيلم "وردة" حتى، ولكننا نريد أن نقارن أنفسنا بما هو أفضل، لذا لابد أن نقسو على "وردة" بعض الشيء حتى يطل علينا حفظي والباجوري مرة أخرى بفيلم رعب حقيقي نقف له احترامًا بعد عرضه في السينمات، وفي رأيي، هم قادرون على ذلك!

مع الاعتذار للروائي الفلسطيني العظيم غسان كنفاني، اختتم هذا المقال بتحريف جزء من رائعته "عائد إلي حيفا".

-أتدرين ما هي أفلام الرعب يا صفية؟ (لنعتبر أن صفية هي طالبة في الصف الأول بمعهد السينما)
-أفلام الرعب هي ألا يحدث ما حدث في وردة!



تعليقات