La La Land.. داخل مرآة آليس السحريّة وخارجها (تحليل بصري)

  • نقد
  • 11:23 مساءً - 7 يناير 2017
  • 9 صور



فيلم La la land

  • تنويه: ﻷغراض التحليل، تحتوي هذه المقالة على كشف تفصيلي ﻷحداث الفيلم

بعد مشاهدتين متتاليين لفيلم داميان شازيل الثالث "La La Land"، استطعت على نحو أكثر تركيزًا أن أتلمس على المستوى الشخصي أغلب المداخل والمرتكزات المركبة هذا الفيلم من الناحية البصرية والسردية، مما أدي إلى تغيير آلية تناوله نقديًا بتبني مدخل مختلف معه يركن نوعًا ما إلى المدخل التكويني وصولًا إلى رؤية أكثر شمولًا.

كما يعلم كل من شاهد الفيلم في دور العرض مؤخرًا، فإنه ينقسم إلى خمس فصول متتالية (شتاء، ربيع، صيف، خريف، وشتاء مرة أخرى)، وكل فصل من الفصول الخمسة للفيلم يعمل وفق آليات فنية خاصة به تشكل علاقات متشابكة مع سائر الفيلم كوحدة كلية، وعلى مدار المقال سنحللها فصلًا بفصل.

افتتاحية الفيلم

في تقاليد الفن التشكيلي، كانت هناك على الدوام، لوحات فنية تعمل على حشد أكبر قدر ممكن من العناصر البصرية حول موضوع واحد أو حدث واحد أو تيمة واحدة ويمكن إدراجها تحتها فيما يشكل رؤية بصرية واسعة وحاضنة للموضوع محل التناول، والتي يعرفها الكاتب اﻹيطالي الراحل إمبرتو إيكو في كتابه "لانهائية القوائم: من هوميروس إلى جويس" بمصطلح "القائمة البصرية"، وهناك مئات اﻷمثلة على هذه النوعية من هذه اللوحات مثل لوحة "جنة المباهج اﻷرضية" لهيرماينوس بوش أو لوحة "يوم القيامة" لمايكل أنجلو.

تعد افتتاحية الفيلم نوعًا ما أشبه بفكرة القائمة البصرية تلك، فبعد نزول شارة شركة اﻹنتاج وتغير نسب أبعاد الشاشة (Aspect Ratio) من 4:3 إلى 2.35:1 مغيرًا إياها إلى الصورة المعروفة للسينماسكوب، نجد أنفسنا متجولين بقطاع عرضي بين عدد هائل من السيارات مختلفة الموديلات واﻷلوان، مع قيام كل منها بتشغيل لون مختلف من الموسيقى وكل منها تنتمي لفترة زمنية مختلفة، وهو ما يجعلنا حائرين في البداية حول الحقبة الزمنية التي ينتمي إليها الفيلم على وجه التحديد، وهو ما يتضح منطقه في الفصل اﻷول من الفيلم، يبدأ الاستعراض الافتتاحي الذي يتم تصويره عبر لقطة طويلة متصلة (Long Take) من لدى فتاة تبدأ بالغناء من داخل سيارتها ثم سرعان ما تخرج منها وينضم إليها المزيد من راكبي السيارات، مخلفين وراءهم اﻷغاني التي كانوا يسمعونها ليواصل كل منهم الغناء من حيث انتهى اﻵخر في نفس اﻷعنية المشتركة، فيطرق كل منهم باب السيارة التي تأتي أمامه ليدعو المزيد للمشاركة في فعل الغناء والرقص وصولًا إلى فتح العربة التي يقف داخلها عازفي اﻵت اﻹيقاع وعازف الكونترباص.

هنا يتخذ الاستعراض منعطفًا جديدًا بتقديمه كم هائل من الرقصات الشهيرة (فلامنكو، رقص شوارع.... إلخ)، فيتحول الاستعراض مع استمرار عرضه على الشاشة إلى كرنفال، داعيًا المزيد من اﻷفراد للانضمام إليه، وداعيًا للمشاهدين كذلك لمشاركة اللحظة، وما أن تستبب اﻷمور ويصل الاستعراض إلى نهايته بعد دعوته للمشاهدين لنرى جموع الراقصين في لقطة واسعة فوقية، ينزل التتر حاملًا اسم الفيلم بطول الشاشة وبنفس الخطوط المتبعة في اﻷفلام الاستعراضية الكلاسيكية.

الشتاء

يأتي صوت صافرات السيارات العالي كفاصل بين نهاية الاستعراض الافتتاحي وبداية الفصل اﻷول للفيلم "شتاء"، لتنزل الكاميرا من عليائها متجولة بين السيارات من جديد، معرفةً إيانا على بطلي الحكاية اللذين من الواضح أنهما لم يشاركا بقية الجموع في الاستعراض الافتتاحي من فرط انهماكهما فيما يشعرهما بالشغف ويصنع أحلامهما الخاصة، (سباستيان) المشغول بمقطوعة الجاز التي يحاول الاستماع إليها، و(ميا) التي تحاول التحضير للمشهد الذي ستؤديه في اختبار أداء للتمثيل من ورقة تحملها في يدها، مما أدى إلى أول احتكاك غاضب وعابر بينهما بين ضغطه على الصافرة مما شتت تركيزها لتقوم هى بدورها برفع إصبعها اﻷوسط له.

في المشهد التالي وسائر المشاهد في فصل الشتاء، يوحي لنا "شازيل" بكفية التفاعل مع عالم الفيلم من خلال التجاوز الكامل لمنطق الزمن الواقعي إلى زمن سحري، حيث تذوب الفواصل الصارمة بين الحقب الزمنية ومظاهرها المختلفة (وربما يكون في هذا تفسير لاسم الفيلم!)، فبعد افتتاحية خمسينية الطابع، نرى (ميا) من جديد لكن هذه المرة في محل عملها أمام حاسوب لوحي يعمل باللمس تجري عليه طلبات العملاء، وفي نفس الوقت نرى في الخلفية البعيدة من وراء الزجاج سيدتان ترتديان ملابس تعود للحقبة الفيكتورية، ونكتشف رويدًا أن المقهي الذي تعمل فيه يقع داخل ستوديوهات "Warner Bros"، ليبدو عالم اﻷبطال عالمًا مفارقًا للواقع، ينتقى عناصر مختارة بعناية من الواقع ويمزجها مع تصوراتهم عنه كما نراها في السينما وكيفما تتراءى للأحاسيس الداخلية للأبطال وتماشيًا مع التطلعات الحالمة العالية الخاصة بهم.

في حيلة إيهامية من المخرج كنا نظن من خلالها أن (ميا) تتحدث في هاتفها النقال بينما هى في الحقيقة تؤدي مشهدًا في اختبار اﻷداء، يتضح أكثر قصده حين يماهي الحدود الفاصلة بين الواقع والتصور الحالم الخيالي عن الواقع، فمع انقطاعها عن اﻷداء تعود (ميا) ﻷرض الواقع مجددًا وتكتشف أنها قد رُفضت من اللجنة، لتعود إلى منزلها لكي تخلد للنوم بما يعنيه ذلك من الاستسلام لسلطة الحلم، خاصة مع التأكيد على ذلك بصريًا في وجود بوستر سينمائي كلاسيكي ضخم يلتهم الجدار بأكمله.

في مشهد لاحق، تعود هذه الحالة الحالمة من جديد في ثاني استعراض يحمله الفيلم، وهو اﻵخر يحمل نفس الحس الكلاسيكي لاستعراض الافتتاحية، خاصة مع رغبة شريكات (ميا) في السكن الترويح عما قاسته في اختبار اﻷداء الذي منى بالفشل عن طريق دعوتها لحفل في هوليوود، فتنطلق أربعتهن في الغناء والرقص مع استخدام الاكسسوارات الموجودة في الشقة (نظارة شمس، وشاح حريري، مصفف شعر، حبيبات الجليتر.. إلخ) وارتدائهم لفساتين صارخة وزاهية اﻷلوان بدون أية رتوش إضافية كزخرفات أو ما شابه (أحمر، أزرق، أصفر، أخضر) كنشدان للحالة الحالمة الخام في أقصى تجلياتها وضوحًا وصفاء مع عدم اللجوء لفلاتر لونية إلا حين تنفرد (ميا) بنفسها لكي لا تطغى على هذه الحالة اللونية الصافية، وتستمر حالة البهجة المطلقة منتهية بدوران الكاميرا حتى يندمج كافة شخوص الحفلة ثم تنظر الكاميرا إلى أعلى مع الوصول لذروة الحالة بانطلاق اﻷلعاب النارية.

مع اضطرار (ميا) إلى السير على اﻷقدام نحو المنزل، نسمع للمرة اﻷولى التيمة الموسيقية التي ستجمع بينها وبين (سباستيان) على مدار الفيلم بأكمله، والتي تعمل كنداء داخلي مشترك يأتي بوسائل عدة، وفي هذا الفصل يأتي هذا النداء عن طريق سماعها لعزفه إياها خلال مرورها بجوار المطعم الذي يعمل به (سباستيان) عازفًا للبيانو وهو ما يأتي كحيلة سردية كلاسيكية مقصودة وموجودة على مدار الفيلم بأكثر من وسيلة، وقبل دخولها يستعرض المخرج مع بطلته بقطاع عرضي البوستر الذي اختاره المطعم لواجهته، وهو عبارة عن لوحة مرسومة ضخمة لعشرات الفنانين من هوليوود محتشدين معًا كتدليل إضافي على استخدام القائمة البصرية مثلما تم استخدامها في البداية، وإشارة لوضعيتها خارج اللوحة التي تتمنى أن تكون جزء منها في يوم من اﻷيام.

في الداخل، نسترجع مع (سباستيان) المقدمات التي أدت لعزفه لهذه المقطوعة التي استجابت (ميا) إليها بجوارحها، فهو لا يحب الموسيقى التي يضطر لعزفها نزولًا على رغبة صاحب المطعم، والتي نراه يعزفها كطفل يلهو بالبيانو، ووقتها يلقي المخرج بالكاميرا نظرة مقربة على إبريق البقشيش الزجاجي الذي نجد كل اﻷوراق النقدية الملقاة فيه من فئة الدولار الواحد كدلالة على قلة قيمة ما يقدمه من عزف مستهلك ومكرر، فيتجاوز كل ذلك ليعزف الجاز الحر في فورة الانهماك مع فصله عن بقية الجمهور بإظلام صالة المطعم بأكملها وتركيز الضوء عليه فقط لتكون هذه هى لحظته الخاصة كترجمة بصرية، لكن سرعان ما يعود بعد الفراغ من العزف ﻷرض الواقع من جديد والعودة للقطة العامة للمكان، حيث لا يكترث أحد من الجالسين في المطعم بما يعزفه، فيُفصل من المطعم مرة ثانية، وفي فورة الغضب لا يتجاهل فقط الوحيدة التي اهتمت لما يعزفه، وإنما اصطدم بها بلا اكتراث، ليشكل ذلك ثاني لقاء يسير على نحو خاطيء بينهما بعد ما حدث في المرة اﻷولى عند مروره بالسيارة.

الربيع

على خلاف افتتاحية الشتاء باستعراض ذو نكهة خمسينية، يواصل "شازيل" زمنه السحري من جديد، حيث يختلف هذا الفصل في نكهته البصرية والموسيقية، فنحن نقف عند حمام سباحة حيث يرتدي المتواجدون بجانب ملابس السباحة ملابس أكثر عصرية من الفصل السابق الذي غلبت عليه الملابس الكلاسيكية أكثر (فساتين سهرة، بذلات رجالية رسمية)، مع ابتداء الفصل بموسيقى البوب من حقبة الثمانينات على عكس السطوة الطاغية للجاز في فصل الشتاء، وهنا نقابل (سباستيان) من جديد، مغيرًا جلده ليتوافق مع الحس الثمانيني في الموسيقى التي يعزفها مع الفرقة وفي ملابسه، وهنا يقع الاحتكاك الثالث بينه وبين (ميا)، حيث تقرر أن ترد له ما فعله في المطعم من قبل بأن تطلب منه أغنية "I Ran" لفريق "A Flock of Seagulls" في لمحة سخرية تقوم بها منه.

يمتليء هذا الفصل بالكثير من لحظات الاندماج مع فكرة الزمن السحري التي يجد المرء أصداء كثيرة لها في اﻷدب، فمع انتهاء هذه الحفلة الثمانينية، يرتد (ميا) و(سباستيان) نحو الخمسينات من جديد في ثالث استعراض يحمله الفيلم بادئًا هو بالغناء منفردًا ثم سرعان ما تنضم إليه بعد انكسار الجليد بينهما، وهو استعراض يأتي بين ظلمة الليل وحلول الساعة السحرية "Magical Hour" في اللحظات اﻷولى من شروق الشمس بما يتزامن مع البداية الجديدة بينهما ورؤية أحدهما اﻵخر في ضوء جديد، مما يصنع من السماء حفل من اﻷلوان تتناغم مع لون القميص اﻷبيض والفستان اﻷصفر ووجود الكرسي الخشبي وعمود اﻹنارة كعناصر بصرية مصاحبة في المشهد مما يوحي بكونه خلفية ديكور في إحدى الاستوديوهات أكثر منه منظر طبيعي لكي يوصل نفس الطابع البصري المميز لهذه الاستعراضات، وما أن ننغمس مع الاستعراض ونصل لذورته حتى ينقطع الاستعراض الخمسيني بلمحة من القرن الحادي والعشرين من نغمة الآي-فون الخاص بـ(ميا)، تمامًا مثلما نزل الاستعراض اﻷول للواقع مجددًا بصوت صافرات السيارات.

بعد بضعة اختبارات أداء غير مثمرة تؤدي من خلالها أطياف متعددة من الشخصيات، نعود لمكان عمل (ميا)، ونرى كل من (ميا) و(سباستيان) في لقاءهما هناك بعد صفاء الجو بينهما وهما يرتديان ملابس بيضاء تأكيدًا على بدء صفحة جديدة وطوي كل البدايات الثلاثة غير الموفقة بينهما، ويتعرفا على بعضهما البعض خلال تجوالهما في الشوارع الشاسعة بين الاستوديوهات وفي وضح النهار مع المرور على الشرفة التي صور من خلالها رائعة مايكل كورتيز Casablanca، فيصير أمامهما المجال واسعًا على مصراعيه بما يتوافق مع طبيعة شخصياتهما الحالمة والطموحة، وليتحدث كل منهما بكل راحة عن نفسه وأحلامه.

هناك تفصيلة بصرية مهمة قد لا يلاحظها المشاهد في المشاهدة اﻷولى ﻷن المخرج يقصد أن يجعلها فقط في خلفية الحدث دون طغيان على عملية التعارف اﻷولى تلك، فخلال مرور (ميا) و(سباستيان) بين الاستوديوهات، هناك فيلم يجرى تصويره، لكن ليست هذه هى النقطة، النقطة أننا نرى أن ما يتم تصويره هو فيلم رومانسي، وخلال عملية التصوير في خلفية المشهد، نرى البطلان مندمجان في الحالة المطلوبة له، وبعد أن يصيح المخرج مباشرة بانتهاء تصوير المشهد، نرى النقيض تمامًا حيث نشاهد الممثلان وهما يتشاجران دون أن نسمع صوت هذا الشجار بفعل ابتعاد الميكروفون عنهما بعد نهاية تصوير المشهد بعد أن كانا يتبادلان الحب أمام الكاميرا، فهو يؤكد من جديد على الفارق الذي قد لا ندركه بين الواقع وبين تصورنا المثالي الحالم عن الواقع الذي تحدثنا من قبل.

وفي لمحة درامية كلاسيكية آخرى، يضع "شازيل" بطلته (ميا) أمام مفترق طرق، حيث عليها اﻵن أن تختار بين حبيبها الحالي أو حبيبها الجديد (سباستيان) وأن تستجيب لنداء قلبها، وهنا تعود نفس التيمة الموسيقية التي سمعتها في فصل الشتاء خلال تواجدها في المطعم كنداء جديد لها يؤكد على ما أحست به في المرة اﻷولى، وهنا تقرر الانسحاب من المطعم لتلحق بموعدها مع (سباستيان) في السينما بمشهد يحمل موروث هوليوودي واضح ليشاهدا معًا A Rebel Without Cause الذي لا يكتمل مشاهدته بسبب عطل فني في ماكينة العرض بالتزامن مع شروعهما في أول قبلة لا تتم سوى بعد زيارتهما لمرصد جريفيث الفلكي الذي تدور به أحداث الفيلم الذي لم يستطيعا إكماله في ثاني تحية سينمائية يحملها هذا الفصل، وبعد فاصل استعراضي خيالي يطيرا ويتراقصا بين النجوم، يغلق الفصل على القبلة بينهما بطريقة Iris المونتاجية شائعة الاستخدام في أفلام هذه الحقبة، حيث تلتف وترتكز الدائرة حولهما مع إظلام بقية الشاشة كتأطير لهذه اللحظة قبل الانتقال إلى اﻹظلام التام.

الصيف

مع إغلاق الفصل السابق بطريقة Iris، يفتتح هذا الفصل الثالث بـIris آخر معاكس مع التركيز هذه المرة على عبارات مكتوبة على ورق، والتي نعرف أنها نص المسرحية المونودرامية التي تقوم (ميا) بكتابتها بناء على تشجيع من (سباستيان) الذي توطدت علاقتها العاطفية معه مؤكدًا على ذلك بفوتومونتاج يضم كل ذكرياتهما معًا.

بداية من هذا الفصل وبعد الفوتومونتاج، تتواري النزعة الاستعراضية شيئًا فشيئَا من اﻵن فصاعدًا في الفيلم، وبدلًا من ذلك يحل محلها الفواصل الغنائية، لم تعد اﻷمور حالمة كما كانت في الفصلان السابقان، كل من (ميا) و(سباستيان) يحاول تحقيق ما يطمح له بالفعل، كما تختفي الملابس زاهية اﻷلوان ويتم الاعتماد أكثر على الفلاتر اللونية لتوصيل أحاسيسهما، ففي المشهد الذي يتناقشا فيه داخل غرفة نومهما حول مشاريعهما، تمتزج اﻷلوان في الغرفة بين اﻷحمر واﻷزرق المنبعثان من النافذة ومن المصباح وتنعكس هذه اﻷلوان على وجوههما مانحة للمشهد تداخل بين الارتياح والحميمية.

في الصباح التالي، يغمر ضوء النهار الغرفة بأكملها مع ارتداء (سباستيان) لقميص أبيض مرة أخرى، لقد باتت نقطة البداية لتحقيق حلمه اﻵن واضحة أمامه، وعليه أن يسير أمامها حتى لو كان من داخله رافضًا ﻷن تكون هذه هى بدايته، لكن تحقيق اﻷحلام بالطبع يستلزم النظر الفاحص لحسابات الواقع، ويقرر على هذا اﻷساس الانضمام لفرقة صديقه التي كان يظن في البداية أنها تؤدي موسيقى الجاز، لكنه يكتشف أنهم يستهدفون موسيقى البوب ﻷن هذا هو المستقبل من وجهة نظر صديقه.

مشهد آخر في هذا الفصل تبرز فيه أهمية اللون، حيث يشرع (سباستيان) في البدء مرة أخرى في غناء أغنية "مدينة النجوم" التي غناها من قبل خلال سيره على إحدى الجسور لكنه لم يكملها ﻷنها كانت لا تزال مجرد خاطرة في ذهنه، وتحتاج للمشاركة في غنائها لكي تكتمل حالتها المطلوبة المشابهة للاستعراضات في الفصلين السابقين، وهنا تنضم إليه (ميا) وفي الخلفية ستارة خضراء كبيرة تسيطر على كامل خلفية المشهد وينعكس ضوءها اﻷخضر على وجوههما بالكامل وتكتمل الحالة أخيرًا وتغلب عليهما الطمأنينة، لكن دون تقديمها في استعراض كامل.

يتوج هذا الفصل بحضور (ميا) ﻷول حفلة يشارك فيها (سباستيان) على خشبة إحدى المسارح مع الفرقة، وبالطبع يؤدون أغنية بوب، ويتفاعل معها الجمهور بكل حرارة، وكأننا مرة أخرى للزمن الفعلي الذي نعيشه بدون أي حس من النوستالجيا الذي بعثته الاستعراضات الخمسينية السابقة، ومن هذه اﻷغنية ندخل مباشرة إلى الفصل التالي دون تمهيد أو إغلاق تدريجي وإنما بقطع مونتاجي حاد.

الخريف

بعد افتتاح جاف للفصل، يضعنا المخرج في لقطة مقربة على وجه (ميا) ثم نراها وهى تبعث بدعوات مسرحيتها المونودرامية عبر البريد الالكتروني، ثم لقطة تالية متوسطة للمطعم بأكمله وهى تجلس فيه وحيدة كبطلة من بطلات لوحات الفنان إدوارد هوبر، ويتأكد هذا اﻹحساس بالوحدة على إثر الغياب المسمر لـ(سباستيان) في جولاته الموسيقية مع سيطرة اللون اﻷزرق في اﻹضاءة على وجهها في الطريق وتداخله مع الظل باﻹضافة إلى إظلام كبير في الشارع.

المشهد التالي هو مشهد مفصلي في الفصل وفي الفيلم كله، حيث يقرر (سباستيان) أن يفاجئها بمجيئه وطهوه العشاء لها خصيصًا لكي يتناولاه على ضوء الشموع وبصحبة إحدى اسطوانات الجاز، هذه المرة لا تأتي اﻹضاءة من الستارة الخضراء مثل الفصل السابق بالرغم من وجودها في نفس الموضع بل يتم تهميشها في الخلفية، وإنما تأتي اﻹضاءة من ضوء الشموع الذي نراه يرتعش بوضوح فوق وجهي (ميا) و(سباستيان) مع تصاعد نبرة الحوار بينهما الذي يتطور بينهما حتى يصل لدرجة الخلاف الحاد المقدم عن طريق لقطات مقربة متناوبة بينهما، وتأتي الجملة الختامية في هذا الحوار العاصف بعد انتهاء موسيقى الجاز في الخلفية وتصاعد صوت إنذار الفرن ليكتشف أنه نسى بقية الطعام فيه حتى احترق، ويختتم الفصل بشكل خشن مع مغادرتها المنزل وترافقها الكاميرا المحمولة خلفها.

وفي نفس يوم عرض مسرحية (ميا)، يكتشف (سباستيان) أنه يتوجب عليه حضور جلسة تصوير لكل أعضاء الفرقة، فيخضع لجلسة التصوير ويطلب منه المصور أن يعزف شيئًا، فيعزف نفس التيمة الموسيقية التي كانت هى النداء الخاص به مع (ميا) لتتكرر نفس الحيلة الدرامية مرة ثالثة، ويقرر الذهاب لكي يلحق بالعرض، لكن الحيلة الدرامية لا تؤتي أكلها هذه المرة مثل المرات السابقة، حيث يأتي بعد انتهاء المسرحية وشعورها بخيبة اﻷمل بسبب عدم حضوره رغم أنها حجزت كرسي له وبسبب قلة عدد من حضروا الذين يمكن احصائهم على أصابع اليد، هذه المرة يفوت اﻷوان على إصلاح ما انكسر بينهما، وتقرر من هذه اللحظة أن تتنازل عن أحلامها تمامًا في التمثيل والعودة لمسقط رأسها، وهنا يحل فوتومونتاج جديد، لكنه هذه المرة يستعرض العالم الذي صنعته (ميا) من أحلامها: طبيعة بلدتها، غرفتها، صورها الشخصية، ملصق مسرحية لها بخط يدها... إلخ، حيث تعود لمنطقة اﻷمان متخلية بشكل طوعي عن أحلامها.

لكنها لا تدرك سوى عن طريق (سباستيان) الذي انقطعت علاقتها به أن فشلها مع المسرحية قد فتح لها باب جديد للأمل، ويخبرها في مشهد تسيطر عليه أكثر اﻹضاءة الطبيعة القادمة من عواميد اﻹنارة وليس من اﻷفق الملون كما في الاستعراضات الخمسينية، فتقرر منح اﻷمر فرصة أخيرة وتحاول استعادة شيء من روحها الحالمة أمام اختبار اﻷداء المصيري هذا بأن تؤدي من خلال أغنية تظلم معها كامل الغرفة لتصنع لحظتها الخاصة مثلما كان يحدث مع (سباستيان) عندما كان يؤدي تيمته الموسيقية، وتلخص من خلالها كامل تجربتها، وينتهي الفصل بحتمية الفراق بين (ميا) و(سباستيان) بسبب افتراق طرقهما حتى مع المشاعر التي يحملانها لبعضهما البعض.

الشتاء (الثاني)

يبدأ هذا الفصل اﻷخير بحيلة إيهامية جديدة من المخرج بأن يفتتح الفصل بصورة زاهية للسماء وسرعان ما نكتشف بأنها كانت مجرد "كرومة" داخل ستوديوهات "Warner Bros"، ونأتي هنا بعد مرور خمس سنوات على قصة الحب تلك بمشهد مماثل للمشهد اﻷول لـ(ميا) وهى كعاملة في المقهى، واﻵن تعود لنفس المقهي، لكن هذه المرة وهى ممثلة شهيرة وزبونة في المقهى، ونرى صورتها على إحدى البوسترات بنفس قطع وحجم البوستر الذي كانت تعلقه في غرفتها في الفصل اﻷول.

في بداية هذا الفصل لا نرى أية رتوش لونية جمالية في الملابس أو في اﻹضاءة على اﻹطلاق، لقد تحقق حلمها أخيرًا، وبجانب عملها الفني، بات لديها زوج وابنة ومنزل جميل.

تعود الألوان الغامرة للحياة مع قرار (ميا) وزوجها بالسهرة خارج المنزل، وتقودهما أرجلهما نحو نادي الجاز الخاص بـ(سباستيان) الذي حلم منذ زمن طويل بافتتاحه، ومن الواضح أن الفكرة قد نجحت بعد تشككه في الفصل السابق من نجاحها، خاصة مع اﻹقبال الجماهيري الذي يشهده المكان، وما أن يراها جالسة أمامه بعد تقديمه لكامل أعضاء فريق النادي حتى يجلس بنفسه على البيانو من العازف الرئيسي في الفرقة ليعزف مرة جديدة وأخيرة التيمة الموسيقية المشتركة، وهنا يحل تتابع سينمائي تخيلي يحاول أن يتخيل مسار بديل لسير الحكاية منذ أول لحظة سمعت عزفه في المطعم في فصل الشتاء اﻷول، ليجعلنا نتساءل عما كان سيحدث لو كانت قصة حبهما قد أخذت مسار مختلف عما حدث بالفعل وظلا معًا حتى يومنا هذا.

تأتي عملية الاستعادة تلك في هيئة تتابعات متباينة في طريقة التقديم واﻷساليب الفنية على غرار الفيلم الذي يفضل اتباع اللاأسلوبية طوال مدة عرضه: استعراض مسرحي بمرافقة الجموع والديكورات، تمثيل من وراء خلفية بيضاء (سوليت)، استخدام الماكيتات الصغيرة، لقطات فائقة السرعة، لقطات أرشيفية مصورة بكاميرا 8 ملم، وصولًا إلى لحظة ختام المقطوعة حيث تغادر (ميا) النادي وتتبادل مع (سباستيان) نظرة أخيرة تنم عن التصالح مع كل ما حدث بينهما والتقدير لذكرياتهما المشتركة، وهنا تعود اﻷلوان الحمراء والزرقاء للطغيان على الصورة من جديد قبل الختام الحتمي.


وصلات



تعليقات