نظرة عن قرب.. ما وراء الصورة في "Swiss Army Man"

  • مقال
  • 05:05 مساءً - 16 يناير 2017
  • 3 صور



دانيل شاينرت ودان كوان

"لتقديم أي شيء جدير بالاهتمام، عليك أن تفاجئ الناس.. أعتقد أن الجميع شاهدوا كُل شيء، ونحن مُعتادون على فيديوهات اليوتيوب القصيرة، التي إذ لم تُعجبك إحداها، انتقلت لما يليها". المنتج جوناثان وان

هناك نوع من الأفلام الجيدة، التي تتخطى مجرد إعجابك الشديد بها، وتجعلك راغبًا بمعرفة كل صغيرة وكبيرة عنها، بها شيئًا ما مميز يخترقك ويثير فضولك لمعرفة كيف تم صناعتها، وكيف كانت رحلة أبطالها الحقيقية، أو بمعنى أصح: كيف برع مُخرجيها في تقديمها؟ فيلم "Swiss Army Man" هو أحد هذه الأفلام، التي تصنع هالة من الأسئلة في ذهنك، وتستدعي فضولك لمعرفة الحقيقة ورائها، خصوصًا بعد قراءة المعلومات اﻷولية عنه على الإنترنت، والتي تُخبرك أنه فيلم مُستقل بميزانية صغيرة، وأنه الفيلم الروائي الطويل الأول لصُناعه.

مُخرجا الفيلم هما دانيل شاينرت ودان كوان "Daniels"، شابان في أواخر العشرينات من عُمرهما، يعملان سويًا منذ عام 2009، تقابلا للمرة اﻷولى في الجامعة، أحدهما كانت خلفيته تصميم الرسوم المتحركة، والآخر كانت الكوميديا والمسرح محور اهتمامه. قَدِما من عالم الأغاني المصورة، وقاما بصناعة عدد من الأفلام القصيرة. ينتهجان الأسلوب البدائي القائم على القليل من الخبرة والتركيز على المُحتوى، تتسم أعمالهما بالأفكار الجافة التي يُخرجان منها أشياءً جديدة كليةً، الجانب الأكبر من أعمالهما يسيطر عليه التميز التقني والمهارة في التعامل مع المؤثرات البصرية.

صحيح أنهما لم يقدما سوى فيلم واحد طويل، إلا أنهما ليسا مغموران كما قد تظن، فكل من يُتابع الأغاني المصورة بالتأكيد قابل أحد أعمالهما، ومنها "Turn Down For What"، ذلك الفيديو الذي لا تمل مشاهدته مرة بعد مرة، هو لا يقتصر على كونه "غريبًا"، فبعيدًا عن التميز الخالص في كل شيء فيه، والذي يخطفك من شدة الانبهار، الكثيرون لاحظوا حجم الرمزيات التي تعمد مخرجا الكليب إسقاطها على الواقع. المميز في الأمر ليس الرمزيات نفسها، لكن الطريقة في استعراضها، النمط الذي تتشكل بداخله، الأسلوب الذي يجعل وجودها نصف ظاهر، مُختبئ ومُبرر في قالب موسيقي، تناغم الصوت والصورة مع التصوير والإيقاع وتوالي النغمات، التشكل باللهجة الكوميدية المُعاصرة، الإيحاءات الجنسية الطاغية على قصة الأغنية. ما تخرج به من مُشاهدته هو أن هُناك إبداع حقيقي على الجانبين، أمام الكاميرا وخلفها، وأنا متأكد أن الدفعة الأقوى التي نالاها لتقديم الفيلم، لم تكن بسبب مشوارهما الفني أكثر من عملهما الفريد في هذا الكليب تحديدًا، إذ أن موهبتهما اﻹخراجية برزت في العديد من الكليبات، لكن "Turn Down For What" كان نقلة نوعية حقيقية في مشوارهما، وربما مشروع "Swiss Army Man" كان في حُسبانهما قبلها، لكنهما قدما "Turn Down For What" كتمهيد فيما يبدو ﻹظهار جنونهما وإبداعهما من جهة، وقياس استحسان الجمهور لما يقدماه من جهة أخرى، ليتمكنا من إقناع شركات الإنتاج بالقصة.

لقطة من كليب Turn Down For What

أفكارهما غريبة بعض الشيء; رجل يتحرك على سلم السوق التجاري بلا توقف لأربع دقائق متواصلة، مجموعة فتيات حوامل يرقُصن في النادي الليلي ويطاردن المُغنيين، مجموعة من العُراة يركضون في الغابة ويُطلق عليهم رصاصًا من الملابس ليُغطيهم من مجموعة أخرى، رجل يستعرض شريط حياته كاملًا في ثوانٍ قبل أن ينقلب بشاحنته ويُفارق الحياة، عدد من المحترفين يعملون على إعادة فرقة موسيقية تُغني بعد موتها، ثلاجة تتحرك وتمشي في الشارع وحدها، شخص يختفي من الواقع نتيجة تلاحم جسده مع جسد آخر وعدم قدرته على الخروج منه، هل أستعرض بقية أعمالهما ﻹقناعكم بجنونهما؟

يقول "ستيف جوبز": "الإبداع هو القدرة على ربط الأشياء ببعضها البعض، عندما تسأل المُبدعين كيف فعلوا شيئًا مُبدعًا؟ يشعرون بقليل من الذنب لأنهم لم يفعلوها حقًا، هُم فقط رأوا شيئًا، وتبين لهم واضحًا بعد حين". تطبيق هذه المقولة على حالة الفيلم يكون بالنحو الآتي: إذا نظرنا إلى الدافع الحقيقي وراء تقديم الفيلم -وهو ما كان فعلًا- تسليط الضوء على شيء معين أو فكرة ما، بنيا على أساسها العديد من الطبقات إلى أن أنهيا النص، ربما تقديم شيء مميز يمزج طابعهما الموسيقي بالشكل القصصي الروائي لتقديم القصة. استخدم الـ"دانيلز" بعدها ما هُما بارعان فيه حقًا، وأضافا عليه الكثير ليأخذ الناتج النهائي شكلًا جديدًا كليًا، رتبا خطتهما جيدًا وقاما بوصل الأشياء المُتباعدة ببعضها البعض، أعتقد أنه يمكن وصفهما بالمُبدعين في هذه الحالة أليس كذلك؟

كنت مؤخرًا في حلقة نقاشية سينمائية، وكنا نتحدث عن فيلم شبيه في غرابته بما قدمه المُخرجان، قال أحدهم تعقيبًا على الأفلام التي يكون لها نصيب الأسد من الجوائز الهامة في المهرجانات السينمائية الكبيرة: "مثل هذه الأفلام لا تفوز على غيرها فقط للأسباب الفنية والتقنية، إنما يُنظر لها أكثر من منظور هدف السينما الأول، الأسباب التي قد تُطور صناعة الأفلام على صعيد البنية، كالأفلام التي تُسلط الضوء على أشياء ليست معهودة، أو تلك التي تخترق طرقًا غريبة وجديدة لم يسلكها أحد من قبل، تكريمًا وتشجيعًا لهذه النوعية من الأفلام وهذا المُلتقى للمجال السينمائي، فهي تعبيرًا عن روح الفن القائم على الذاتية في المقام الأول أكثر منها أي شيء آخر".

لا أعلم، لكن هذه الكلمات كانت تراودني أثناء التفكير في حالة الفيلم. أعتقد أنه يمكن لهذا الوصف أن ينطبق عليه; أولًا من النص وشخصية "ماني"، وثانيًا من كون الفيلم هو الأول لمُخرجيه، الفيلم لم يعرض في مهرجان كبير سوى في "صاندانس"، وخرج منه بجائزة الإخراج، وهو الأمر الذي يمكن اعتباره بشكل كبير بسبب لغة الفيلم المُتطرفة غير المُفضلة سينمائيًا، والتي اتبعها المُخرجان.

لقطة من فيلم Swiss Army Man

قد يقول البعض إنهما استخدما اسمين كبيرين في هوليوود مثل بول دانو ودانيل رادكليف ليختصرا الطريق أو لينال فيلمهما المُتابعة والتسويق التجاري وما شابه، لكن كل من شاهد الفيلم يعلم جيدًا أنه لم يكن هناك سبيل لسرد قصة مُعقدة كتلك، سوى بأداء تمثيلي مُتقن، ما تطلب وجود ممثلين مُحترفين لتجسيد الأدوار في هذه القصة.

أكثر ما هو ملحوظ في التصريحات والمقابلات الشخصية للمُخرجين تناغمهما مع بعضهما البعض، والتفاهم الشديد، وهو ما علق عليه "رادكليف" في إحدى المُقابلات: "سألتهما ذات مرّة كيف لا تتعارضان أثناء العمل؟ فأجابا: هذا لأننا نقضي العام السابق كله نتعارض حرفيًا على كل شيء، وعند الوصول لمرحلة التصوير.. نكون وصلنا لقرار واحد".

ذكرت في المقالة التحليلية للفيلم أن تصويره استغرق 22 يومًا، هذا لا يعني أن تنفيذ الفيلم كان سهلًا بل هي براعة في التعامل مع مرحلة التصوير، أما مرحلة كتابة السيناريو فقد صرحا أن الرحلة أخذت منهما وقتًا طويلًا، وأن النص تم تعديله أكثر من مرة ليلائم طبيعة فكرته. حتى رسالة الفيلم تم مزجها بالشكل التجريبي/السيريالي ولم تكن مُباشرة، لا أعلم أكان الشيء الرئيسي الذي فكرا فيه أثناء كتابة النص هو تقديم القصة الإنسانية؟ أم تقديم شخصية "ماني" الجُثة المُتكلمة؟ أم ربما أرادا استعراض عضلاتهما وخبرتهما الموسيقية في شكل سينمائي جديد؟ ربما الخليط كله، لأن في الواقع كل هذه النقاط خرجت بشكل أكثر من مقبول في الإطار القصصي للفيلم.

"Swiss Army Man" هو احتفاء بالسينما التي تقدم أفكارًا جديدةً بشكل عام، وبالسينما المستقلة بشكلها الغريب والجريء والصادم بشكل خاص، تلك السينما التي تُعبر بالجماليات وتسيطر عليها الرمزيات لإيصال رسالة محددة للجمهور. حقًا يجب على صُناع الأفلام المبتدئين أن ينظروا لهذا النموذج الواحد -وسط طنًا من الأفلام التي تُنتج كل عام- ويتعلموا منه، من مشوار المُخرجين وإصرارهما على إخراج أفضل ما يملكان من بين أكثر الأفكار صعوبةً في التنفيذ، أن يدرسوا هذه الحالة جيدًا ويُطبقوها على حيواتهم، أن يضعوا اسم "Daniels" ضمن قائمة المثل العُليا للاحتذاء بهما.

مجهودهما الفذ في تنفيذ هذا الفيلم هو درس غاية في الجمال والروعة لمن يرغب أن يخطو خُطاهم، وبالتأكيد هذه مجرد فكرة واحدة مما في جعبتهما، لذا فأعمالهما القادمة منتظرة وبشدة.

"Daniels" قدما واحدًا من أروع أفلام الأعوام القليلة الماضية، فيلمًا بمثابة ضربة في وجه من يقولون إن الأفكار كلها قُدمت في السينما، أو إنه من المستحيل تحويل أية فكرة لشكل قصصي سينمائي. هذه الفئة من الأفلام أصبحت شحيحة جدًا في إنتاجها، لذلك فأن مخرجين مثل "شاينرت" و"كوان" يستحقان المُساندة ودعم أفكارهما وعرض أفلامهما في المهرجانات السينمائية، لعل هذا يُزيد من التفات الجمهور إلى الأفلام المستقلة بدلًا من تلك التُجارية المليئة بالهُراء، والتي لا تشير لوجود حس فني لدى صانعيها، وهي السمة التي إذا قرأت أي كتاب عن الإخراج السينمائي، لوجدتها ضمن الكلمات الأولى لأُسس صناعة الفيلم الجيد.


"Swiss Army Man".. كل ما هو نقيض التقليديَّة!




تعليقات