"حريقٌ في البحر".. عملٌ تسجيلي شديد التفرُّد

  • نقد
  • 07:27 مساءً - 1 اغسطس 2017
  • 1 صورة



Fire At Sea

أحد أكثر الأفلام مديحًا العام الماضي الفيلم التسجيلي الإيطالي (حريقٌ في البحر) يحكي عن جزيرة إيطالية قُبالة الساحل الغربي الجنوبي لصقلية بالبحر الأبيض المتوسط، يتوافد إليها المهاجرين الأفارقة الذين ملأت المعاناة والصعوبات حياتهم بعدما اندثرت أوطانهم وصاروا متنقلين يبحثون عن وطن جديد على أمل أن يأويهم أحدًا ما، وفي الجهة المُقابلة نتعرف عن مجموعة من سكان إيطاليا ممن يعيشوا على متن الجزيرة لعل أهمهم (صامويل) الفتى اليافع ذو الإثني عشر ربيعًا، الذي يُعيد تذكيرنا بصورةً لا تُخطئها العين باللهو الصبياني والأيام الخوالي العِجاف المغمورة بالشقاوة اللامُنتهية لطفولتنا. يأخذنا المخرج والكاتب الإيطالي جيانفرانكو روسي عبر ستة نماذج في قصته ذات الإيقاع السردي الهادئ إلى رحلة نتعرف من خلالها على صورة الحياة على تلك الجزيرة الإيطالية البعيدة عن الأنظار، في رحب قضية إنسانية عن مُساعدة الغير ومقارنة الأحوال المعيشية للناس، ووسط تباين ملحوظ في الصورة والنماذج القصصية المطروحة التي تعكس الثقافة الإيطالية ووجهة نظرها تجاه أمور الحياة، ومنها قضية اللاجئين.

لعل الفيلم من ناحية الشكل التسجيلي هو مختلف عن مُعظم الأفلام المُشابهة التي تسرد قضية واقعية وتعتمد في ذلك على عنصر (التوثيق) أكثر منه (التسجيل): بمعنى أنها تميل إلى المُقابلات الحوارية المباشرة أو البحث عن صور ومقاطع أرشيفية لتُغذي بها موضوع بحثها، هذا نقيض ما يحدث هنا، جيانفرانكو لم يرد الإستسهال ولم يتردد لحظةً ليقدم شيئًا أصليًا ومُبتكرًا للغاية لسرد حكاية من هذا النوع سينمائيًا، من خلال مُعالجةً تمزج في رحاها بين الشقّين التسجيلي والروائي، إذ نزع الرجل نحو التسجيل لكل شئ في فيلمه بدون أي نوع من الإستعانة بمصادر خارجية، فقد أراد مزج صبغة شاعرية ذاتية على القضية الصاخبة صوب عينيه، باحثًا بذلك عن الجماليات والصفات الدفينة التي تغلف الصورة العامة للموضوع، ولامسًا بها الأبعاد الثقافية لدولته الأم، والنتيجة أن كان فيلمه شديد التفرُّد ولا أعتبرها بالمبالغة على الإطلاق إذا قيل أنه أحد أقوى الأفلام التسجيلية التي جائت في العقد الماضي كله.

الست قصص تُمثل نماذج من فئات مجتمعية وعُمرية مُختلفة تربطهم وحدة المكان، فنجد هذا السباح الذي يعمل وحيدًا ويبحث عن مٌبتغاه في عرض البحر، ونتعرف على جدة صامويل التي تقضي معظم وقتها وحيدة بالبيت وأحيانًا مع زوجها، وهناك رجلٌ يعمل في الإذاعة المحلية ويتلقى المكلمات التليفونية التي يُطلَب بها تهنئاتٌ للأقارب وإذاعة أغانٍ على الطلب الخاص، وهناك (صامويل) محور حكاياتنا الإيطالية الذي نراه دائماً في الصورة يلهو مع صديقه المُقرَّب بعيداً عن أنظار أبيه البحار، ثم نجد الطبيبٌ الإيطالي أحد المتطوعين المهمين في مساعدة اللاجئين المتوافدين على الجزيرة منذ عشرون سنة، وأخيرًا الجانب الأكثر طُغيانًا في الأحداث وهم أصحاب البشرة السوداء الضغفاء المُهمَّشين القادمين من قارة أفريقيا على متن سفن صغيرة تملؤها النساء والأطفال، مُنتظرين الفحوصات الطبية لهم التي يقوم بها الإيطاليين لتأمين حياتهم وتوفير مُتطلباتهم المعيشية الأساسية.

الفيلم يحمل بين طيّاته قضية إنسانية فريدة عن المعاناة الحياتية والظروف المعيشية القاسية من خلال متوالية (العيش/الموت)، ومكمن روعتها الحقيقة يأتي من حقيقة كونها مُقدَّمة بالنمط التسجيلي شديد الموضوعية، لا تلقين ولا إقحام على المُتفرج، نحن فقط نرى من بعيد حياة هؤلاء الناس.. مثلًا في أحد أجمل مشاهد الفيلم يردد أحد النيجيريين قصائد روحية في شكل مونولوجات متتاعبة يسرد فيه رحلة وصولهم إلى هذا المكان وكيف عبروا الصحراء وعُوملوا بقسوة في ليبيا وحينها أخذوا المُخاطرة وقصدوا البحر باحثين الخلاص حيث مات أعداداً كبيرةً منهم، لكن هذا ليس مهمًا لهم الآن لأنهم سُعداء بكونهم المحظوظون الأحياء.

المميز في هذا العمل هو كونه مُتعدد القراءات ويحتمل العديد من الأبعاد والإسقاطات، فيمكن مُشاهدته من البعد الفني له ولن يُخيّب الظن أبدًا في هذا الأمر بكونه يملك الكثير من الجماليات على مستوى الصورة والكادرات الممتعة للعين، تحت البحار وأوقات الغروب في خضم الحدث القصصي الموجود.. كما يمكن مُشاهدته من الأبعاد الثقافية أو السياسية أو الإقتصادية له: مثلاً أحد الأشياء التي إستوقفتني في تفكيري عقب إنتهاء الفيلم هي أن صامويل لديه عينٌ خاملة (أحدى عينيه تعمل بشكل أضعف من الأخرى نتيجة قلة إستخدامها مُقابل كثرة إستخدام الأخرى) الأمر الذي يحتمل أن يكون المخرج قد تعمد كتابة -أو مجرد إبراز- شيئًا كهذا ليحمل معنىً رمزي على قضية اللاجئين -أو مُعاناة الإنسان الآخر عامةً- بأننا لا نراها بالعينين، وأن جُلّ ما نعلمه عن موضوعٍ كهذا هو مجرد وجه واحد للعملة أو زاوية معينة وليست الصورة الواقعية الكاملة.

علاوةً على ذلك، فهناك متناقضات عديدة في الصورة بين من على متن الجزيرة ومن خارجها، بين ما يحدث واقعيًا من أُناس وبين رغباتهم التي تتحقق في الصورة النقيضة من آخرون: مثلًا هناك من يرغب بالنجاة والتغلب على الحصار الخانق بالبحر، بينما صبيٌ صغير يلهو مع صديقه بقوارب النجاة يتعلم بذلك أن يصبح بحارًا.. هناك الجدة التي لا تُفارق بيتها والتي تستمع إلى أغاني وأخبار إذاعة الراديو طوال اليوم بينما مَن في الخارج يعانون في ظل الأجواء المناخية السيئة، هناك صامويل الذي يخرج ليلاً في الخفاء لإصتياد الطيور الصغيرة بينما الرجل السباح يخرج في الصباح الباكر ليغطس آملًا بالعثور على شيئًا لا نعرف ماهيته حتى ولا يتضح لنا من المشاهد.. هناك المُقبل على الحياة وهناك العجوز، الأب الذي عاش طوال حياته بحّارًا ولا تشعر أنه يريد تغيير ذلك، والإبن الذي يملؤه الشغف وحب الإستكشاف ويريد تجربة كل شيء ويختبر كل ألوان الحياة، هناك من يأكلون السمك والإسباجيتي بينما الآخرون على الجهة الأخرى يموتون جوعًا، هناك من يتجول في حرية مُقاربًا في ذلك حالة الوحدة والعزلة، مقابل تكتلات ضخمة وأماكن ضيقة يتجمهر بها آخرون تؤكد حالة الخنقة والقيد والحصار.

ورغم كونه فيلمًا شديد الولاء للشكل التسجيلي الذي يكتنف سرد قصص حيوات البشر أمامنا على الشاشة، إلا أنه لا يخلو من بعض الأشكال الروائية التي نجدها مُبعثرة هنا وهناك، في التتابُعات التي تنقلنا من حدث مكاني لربطه بحدث آخر، أو في فكرة الخطين المُنفصلين لأحداث الفيلم -مَن على الجزيرة ومن خارجها- الذي تظهر بينهم بضع التشابهات الرمزية.. لكن هذا قليلٌ للغاية مُقارنةً بالأشكال التي تأخذها أفلام تسجيلية أخرى، هذا فيلم يتشرب من النمط التسجيلي ويُخلص له تمامًا، وهو أمرٌ منطقي عند معرفة أن مخرجه بالأساس هو مخرج أفلام تسجيلية أول، لذا فلعل هذا الفيلم هو المثال الأنسب للتعرف على هذا النمط القصصي في مُقارنةً بينه وبين نظيره الروائي، خصوصًا تلك الأفلام التي تسرد أحداث حقيقية حصلت بالفعل كحال فيلمنا هذا.

أيضاً من الأشياء الهامة بالفيلم الموسيقى الإيطالية المحلية الحاضرة بقوة هنا -والتي إقتُبس عنوان العمل من أحد الأُغنيات التي أُذيعت به- وهي أهم العوامل التي يلتمس المُشاهد معها صميم الروح الإيطالية التي تسري معها حكايتنا.

من الجدير بالذكر أن الفيلم فاز بأربع جوائز دُفعةً واحدةً بمهرجان برلين السينمائي النُسخة قبل الماضية، أهمهم جائزتي الدب الفضي لأفضل فيلم -التي تُعتبر سابقة من نوعها أن يأخذها فيلماً تسجيلياً- وجائزة لجنة التحكيم المسكونية، كما ترشح الفيلم العام الماضي لأوسكار أفضل فيلم تسجيلي، وقام بالترشح مُجملاً لخمسة وعشرون جائزة عالمية بين مهرجانات العالم المختلفة، يُذكر أيضًا أن العرض الأول للفيلم بمِصر كان ضمن برامج بانوراما الفيلم الأوروبي بنسختها التاسعة نوفمبر الماضي.

وصلات



تعليقات