"ذيب" المبحر في بحار الصحراء والزمن البعيد

  • مقال
  • 09:58 صباحًا - 9 يونيو 2015
  • 1 صورة
  • 35,295 مشاهدة



مشهد من فيلم (ذيب)

تنظر الغالبية الكاسحة من البشر إلى الصحراء بصفته ذلك المكان المقفر القاحل الخالي من الحياة الذي لا يحمل في باطنه سوى الموات لمن لا يعرف دروبه على النحو الأمثل، بينما يرى قليلون أن الصحراء لها جاذبيتها وروحها الخاصة التي تنفرد بها دونًا عن كافة الأماكن الأخرى على وجه البسيطة، وهو ما يعلل - على سبيل المثال - الحضور الدائم لمظاهر الحياة الصحراوية في الشعر العربي الكلاسيكي على نحو مكثف، لتكون العبرة في الرؤية بما يراه المرء في المكان، وليس ما يبدو عليه المكان فعليًا.

استطاعت أفلام قليلة جدًا في تاريخ السينما العالمية أن تلتقط روح الصحراء التي لا يراها إلا كل من يملك عين مرهفة، وقد نختلف حول قدرة ونجاح عدد من هذه الأفلام على التقاط هذه الروح، فبينما لا أستسيغ على الصعيد الشخصي كثيرًا فيلم Lawrence Of Arabia للعديد من الأسباب التي لا يتسع هذا المقال لذكرها جميعًا، أجدني أقدر كثيرًا فيلم Gerry للمخرج الأمريكي جاس فان سانت.

يملك الفيلم الأردني ( ذيب) لمخرجه ناجي أبو نوّار كل ما يمكن أن يحلم به المشاهد في فيلم عن عالم الصحراء، إذا كنت تنشد مشاهدة رحلة تحول شخصية من حال لحال فأنت من جمهور هذا الفيلم، إذا كنت تنشد الكثير من التغزل البصري في الطبيعة الصحراوية، فلن يخيب الفيلم رجاؤك، وحتى لو كنت من الباحثين عن تتابعات مثيرة من الحركة والمغامرة، فالجميل أن الفيلم لا يحرمك من هذا كذلك.

إن تسيد الطفل ذيب ( جاسر عيد) لبطولة الفيلم هو أمر يتسق بشكل مثالي مع المنظور الذي يتنباه أبو نوار لعمله على الحكاية، فهو يؤكد طيلة الأحداث على فكرة النسبية والتناسب بين العالم الطفولي الضيق والصغير لذيب وبين كبر العالم الذي يتواجد فيه ذيب زمانيًا ومكانيًا، فهو يعاصر زمانيًا حدثين كبيرين تركا أثرًا كبيرًا على خارطة العالم العربي حتى وإن لم يكن مدركًا لمدى ضخامتها نظرًا لحداثة سنه، وهما الحرب العالمية الأولى والثورة العربية الكبرى ضد الحكم العثماني، ويعيش مكانيًا في إقليم الحجاز الواقع في شبه الجزيرة العربية الذي يقف في مفترق تاريخي هام.

وعلى الرغم من الخلفية التاريخية الهامة التي يتحرك الفيلم من خلالها، إلا أن أبو نوار لا يفرضها عنوة على حكايته الرئيسية، بل إنه لا يشير إليها سوى في بضعة مشاهد سريعة يرسم بها فقط الملامح الزمنية التي تتحرك القصة في فضائها ويضعها في الخلفية البعيدة جدًا لها، فأبو نوار لا يريد أن تطغى الوقائع التاريخية المعروفة سلفًا على بقية الجوانب التي يحاول إبرازها أكثر، ولا يريد لفيلمه أن يتحول إلى مجرد درس ممجوج ومكرر في التاريخ المعاصر، وهى الجزئية التي وازنها بشكل أفضل من دافيد لاين في فيلمه Lawrence Of Arabia.

جزئية أخرى ينجح أبو نوار في الحفاظ عليها ضمن عمله، وهو الابقاء على تلك الشعرة الرفيعة بين البيئة المغرقة في المحلية لقصته، وبين العمومية الشديدة للتيمات الرئيسية التي تتركز عليها حكاية الطفل ذيب مما يوصلها لأي مشاهد أيا كانت جنسيته ببساطة شديدة، وعلى رأس هذه التيمات تيمتي النضوج والنجاة، واللذان يتحولان إلى السؤالان الرئيسيان اللذان يشغلا عقول المشاهدين حول قصة الفيلم: ما الذي غيرته الرحلة التي قطعها ذيب في داخله؟ وكيف استطاع تدبر أمره لكي يظل على قيد الحياة بالرغم كل من المؤشرات المفزعة التي يحملها عالم الصحراء.

وفي وسط كل هذا، ينجح الفيلم في الاستيلاء على انتباه المشاهد طوال الوقت لما يحدث أمامه بصرف النظر عن مدى إدراكه للظروف التاريخية للأحداث، وينجح في إثارة الترقب داخلنا حتى آخر رمق حول المصائر التي ستؤول لها شخصياته الرئيسية، كما يخلق مشاهد حركية مثيرة وجذابة ومقبضة نابعة من طبيعة العمل نفسه وليست دخيلة عليه كحدث، ولن تتوقع في كل مرة كيف سيبدأ الأمر.

ومن أكثر الجوانب التي تستحق التوقف لديها دراميًا هى شكل العلاقة التي تتشكل في النصف الثاني بين الطفل ذيب وبين الرجل الغريب الذي تسبب في أذى كبير لذيب لن أقوم بكشفه هنا في هذا المقال، ولكن ما يستحق اﻹشادة في هذا الخط هو المسافة المدروسة التي يصنعها أبو نوار بينهما، والعلاقة التي تجمعهما رغمًا عنهما في مزيج كبير ومفهوم جدًا من التعامل الحذر واﻹضطرار إلى التعايش في ظل بيئة الصحراء القاسية.


تعليقات

أرسل