يوسف شاهين: النسخ المُرممة

برنامج لعرض 20 فيلم مُرمم من أهم أعمال المخرج يوسف شاهين بيتم عرضها في نسختها الجديدة لأول مرة على مدار عشرة أيام من 12 لـ 22 سبتمبر.
  • المدة:
  • 12 سبتمبر 2018 - 22 سبتمبر 2018

صور

  [20 صورة]
المزيد

أخبار متعلقة

  [15 خبر]
  • فعالية شاهين: شاهين يهبط على الأرض.

    • 13 ساعة
    • 3
    • 533
  • من العجب أن ترى مخرج كـشاهين بدأ مسيرته بالفانتازيا، ثم صنع أفلام غنائية وأستعراضية،أو ميلودراما بلهجة ذاتية، يصنع فيلمًا واقعيًا بشكل بحت، بديع يضاهي في صلابته وحيويته أفلام...اقرأ المزيد أعلام الواقعية، كصلاح أبو سيف و حسين كمال وهنري بركات وغيرهم. الأرض بمثابة حالة نائية تمامًا عن عوالم شاهين المعتادة، لحظة يترك فيها السماء التي اعتاد أن يحلق فيها راقصًا كجين كيلي ، فيهبط على الأرض، ليجد حكايته الجديدة التي يريد أن يرويها، والتي هي نفسها لازالت تحمل طابعه في كنفها، تولد في جذورها الأغاني كما ولدت في النجوم التي تراقص بينها، ولميلاد الشعر والحياة والفن الخالص في الحالتين نفس الأصل، ولكن لكل منهما صورة مغايرة، فالسائد في سينما شاهين أن تكون الأنا حاضرة، والدافع ليس الكبرياء وإن حضرت النرجسية، بل الدافع الحقيقي هو صدق الحالة التعبيرية التي يخلقها شاهين في سينما، فنشاهد أفلامًا شخصية بشكل قد يفاجئء البعض، وقد يزعج البعض، وربما هذه السيادة الذاتية وصلت إلى الذروة في سبعينيات وثمانينيات القرن الوالي، لكنها بكل تأكيد كانت حاضرة -ولو بلمسة مخطوفة- من أول أفلامه. أما ما يجعل الأرض يحمل الطابع الشاهيني ولكن بصورة مغايرة، هو الانفصال الذي بدى بين الهيكل العام وبين الروح الساكنة، فلكنة شاهين كانت حاضرة في تكنيكه وأدواته البصرية، وصياغته المسرحية في تكوينه للصورة وتحريكه للعناصر، لكن طبيعة الأقصوصة نفسها فرضت عليه تقديمًا مختلفًا للاداءات التجسيدية، وجوًا عامًا مختلفًا رغم أنه يشكِّله بنفس الأدوات، والمقصود هنا أولوية أن يكون الفيلم واقعيًا، وليس فقط صادقًا، وعلى هذا فسيحمل تعبيرية شاهين الخاصة وسيروى بنفس الريشة. وفي حقيقة الأمر فيلم الأرض لا يحمل أفكارًا بعيدة عن فن شاهين في تلك الفترة الزمنية، فهو يجادل الذات المصرية في أسرار الإنتكاسة الحقيقية التي انتابتها، فالخسارة المصرية لا ينبغى أن تنحصر في الأذهان حول كونها خسارة عسكرية فحسب، أو تصبح الحرب مجرد سيوف ومدافع تفتش عن المكان، فالخسارة في الأصل هي خسارة الأصل، خسارة أرض الجدود، وسر الوجود، في الحرب الأزلية التي أنبثقت مع بداية الخلق، بين المستعبد والمالك، وهذا مايرويه حتى المليجي في ديالوج من خطاباته الشهيرة "لكن كنا رجالة، ووقفنا وقفة رجالة"، وكأنه برهان حقيقي على فشل الثورة، بفتور الإنتفاض، وخمول العزائم، فأزلية الحرب لا زالت قائمة، والمستعبد لا زال هو المستعبد، كل شيء على صورته الأولية والمعتادة، لا شيء تغير، سوى لنفوس التي إرتضت لأرضها الظمأ، فهانت الكرامة، وإنطفأت الثورة، والتي كان يجب على شعلتها أن تستمر، فإن لم يكن للإنتفاضة، فليكن لبث الضياء. والحق أن لسان الفيلم كان سعى أول ما سعى إلى إثارة ركيزة الفداء، فمستهل الفيلم كلمات الأغنية الشهيرة (والتي نُسبِت إلى الأبنودي): "الأرض لو عطشانة..نرويها بدمائنا". والحث على فضيلة التضحية جاء بالتذكير بحاجة الأرض -وهي أصل كل حياة- إلى قوتها، ثم يدعو إلى سد تلك الحاجة ولو باستبدال الدماء بالماء الغائب، ومن هنا يصعد الفيلم نحو هذه الغاية النبيلة، بيد أن جملة الاستهلال تلك قد تكون ملخصًا مجازيًا شعريًا للفيلم ككل، أو لقضيته الفلسفية، فالفيلم يبدأ بهذه الدعوة الغنائية الحماسية، والتي قد تدنو من أذن المتفرج وكأنها مبالغة أدبية لا أكثر، دافعها الاخلاص والانتماء والفضيلة،حتى لو كانت خالية من الشجاعة التي يتوجها الفعل الحقيقي، ولكن هذا التعبير الشعري -نرويها بدمائنا- يتحول من مجرد قول حماسي مبالغ فيه، إلى فعل ثوري حقيقي، فنري "محمد أبو سويلم" حقًا يروي الأرض بدمائه في مشهد الفينال، أو في "ماستير سين" الفينال لو صح التعبير. ومن الملفت أن المشهد لم يكن أساسًا في رواية الكاتب الكبير عبد الرحمن شرقاي والتي أستند عليها حسن فؤاد في كتابة سيناريو الفيلم، فلم تكن هذه الإضافة البديعة إلا تحقيقًا للمبالغة الشعرية في قصيدة الأبنودي، فأصبح الأمر أشبه بصناعة فيلم يضحي فيه حقًا أحمد شوقي بالجنة من أجل أن يحيا في مصر، على مذهب بيته الشعري الشهير: "وطني لو شغلت بالخلد عنه ... نازعتني إليه في الخلد نفسي".


  • فعاليّة شاهين: اسكندرية كمان وكمان.. الفيلم...

    • يوم واحد
    • 2
    • 403
  • (اقتطاع الجزء من السياق..) تخيّل أنّك تشاهد جزءًا ثالثًا من سلسلة أحد الأفلام دون مُشاهدة جزئيها الأوّلين.. تخيّل أنّك تشاهد Remake لفيلم كلاسيكي هام لم تشاهده.. تخيّل أنّك...اقرأ المزيد تشاهد فيلم قد حدث في رحلة صناعته من حكايات وروايات ما هو أكثر دراميّة من قصة الفيلم ذاته، لكنّك تشاهد الفيلم فقط.. تخيّل قليلًا.. مثل هذه الأفعال تقلل من قيمة الأفلام، لأن في هذه الحالة، جزء أساسي من قيمة العمل تسري في (سياق محدد) من الخطأ إغفاله، أو التعامل مع مفرداته وحدها. فاقتطاع جزء من السياق سيُكوّن وجهة نظر مختلفة، رؤية مختلفة، وانطباع مختلف. لكن ما هو الصحيح وما هو الخطأ في مثل هذه المسائل؟، هل يجب -مثلًا- ألّا يُشاهد شخص ما فيلم كـ(اسكندرية كمان وكمان) دون القراءة عنه وعن صانعه؟، هل يجب فعلًا ذلك ودون ذلك سيُفقَد كل شيء؟.. ربما مُشاهدة فيلم مثل (حدوتة مصرية) يكون أسهل في تقبُّله بسبب كونه فيلم يتحدث عن ذات صاحبها بالتركيز على أعمال/أفلام هذا الرجل، لكن (كمان وكمان) يتحدث عن الأمور الصغيرة بين السطور، عن الحكاوي التي تناولتها الجرائد وعن الأقاويل التي خرجت كـ"إشاعات" على شاهين.. هل يتحتّم عليّ، عدم الاقتراب إذن من هذا الفيلم إلا وقد قرأت عنه (ومعها فهمت السياق جيدًا) حتى أهضِم تجربة مُشاهدة الفيلم الأولى؟، أم أنه لا مُحال أن أستمتع فعلًا بهذا الفيلم -إذا حَصُلَ- إلا في تجربة مُشاهدته الثانية أو الثالثة؟، ما الذي يجب فعله؟ أتذكر هُنا تجربة العام الماضي مع (Mother!). .. .. .. .. شاهدت "كمان وكمان" منذ يومين في فعالية "النسخ الشاهينية المُرمَّمة"، وقد قيلت جملة "هذا الفيلم إما أن تحبه وإما أن تكرهه" أكثر من مرة في الندوة القصيرة التي أعقبت عرض الفيلم في قاعة "زاوية" الكبيرة (تولى نقاش الندوة "ماريان خوري"، مع المخرج "خالد الحجر" والناقِد والسيناريست الشاب "محمد المصري")، وهي جملةً توضح مدى المبالغة في تقبُّل نوع فيلم كهذا يتحتم على مُشاهدهُ البحث والتنقيب عن المعاني وما بين القُصاصات حتى (يفهم) من الأساس ما الذي شاهده للتو؛ لأن الفيلم شديد التعقيد من الناحية السردية، وشديد التداخل والتشوش في قصصه المتشعبة التي هي أصلًا لا تحكي عن شيء "ثابت" أو "محدد" في عقل صانعه، بقدر ما تريد -وتقصِد- حكي الكثير والكثير من الأمور المبعثرة، سيريالية الطابع، التي كانت تتبدّل في كل يوم كما قال معاصري "شاهين"، للدرجة التي يمكن فيها سؤال: هل هذا الفيلم صُنِعَ بدون سيناريو مكتوب؟، على المُشاهد بَقَى ربط هذه الأمور تحت بؤرة واحدة وتحت معنىً -مُناسب له- واحد، وإذا حصل يبقى خير وبركة، وإذا لم يحصل، فليُغادر قاعة العرض فورًا، ولا يُرهِق نفسه كثيرًا بالتأويلات المفرطة التي سيمتلك كل شخص أحب الفيلم (تفسيره الفلسفي الخاص) كي يُدلي به.. هذا فعلًا فيلمًا إما أن تحبه (تحبه فعلًا)، وإما تكرهه (تكرهه تمامًا). قصة "كمان وكمان" تتحدث كما مكتوب على المواقع السينمائية، عن يوسف شاهين/يحيى، أو يحيى/يوسف شاهين الذي يتذكر تفاصيل علاقته الفنية والإنسانية بـ"عمرو" (عمرو عبدالجليل، في إشارةً ليحيى/إسكندرية ليه؟) منذ فوز فيلمهُما بدب برلين الفضي حتى انفصالهُما الفني، وفي الوقت الذي يعيش فيه "عمرو" أيامًا مضطربة من حياته، تلك التي شهدت إضراب الفنانين، ويقترب "يحيى/شاهين" هذه الفترة من "يســرا".. يُسرَد الفيلم في تقاطع ما بين العام والخاص، والوثائقي السردي بالروائي. فيلم علاجي/تجربة علاجية/ثيرابي فيلم.. (؟) المثير للدهشة في تجربة مُشاهدة فيلم كهذا، هو كمّ "الأفكار" التي ستخرج بها، أفكار مهولة حقًا، وستُسبب عصفًا ذهنيًا ليس من السهل مُشاهدة فيلم آخر مثلًا بعده. شاهين هُنا يريد حكي الكثير عن حكايته الشخصية، لكنه يعلم أن المُباشرة في السينما أمرٌ مفتعل، فيتقنّع تحت شخصية "يحيى" التي قدّمها مرات قبلًا، ليكون جزء من الشخصية التي نراها أمامُنا على الشاشة هي شخصية "يحيى" فعلًا لا شاهين، يحيى بكل غضبه وهَوَسه بالفن، أما شاهين فهو الشخصية التي ابتدعت يحيي، ما الذي يريد شاهين تصديره عن نفسه هُنا؟.. أو، ما الذي يريد قوله عندما يكون الميكروفون أمامهُ؟.. بالتأكيد من الاستسهال قصد التطابق الحرفي، لكنه في النهاية لا يحكي عن نفسه في فيلم تسجيلي وإنّما روائي، عليه بإيهامُنا إذن أن الشخصية التي أمامنا لديها كيان وروح بجوانبها الثلاث (المادي والاجتماعي والنفسي) بعيدًا عن رغبته الأساسية أن هذه الشخصية هي ما سوف تعبّر عن لحظاتٌ حدثت في واقع شاهين. مصطلح "الذاتية" التي يوصَف بها الفيلم هو مصطلح فضفاض برأيي، لأن أي شيء يفعله أي مخرج بالتأكيد به جانبٌ ما يمكن وصفه بالـ"ذاتيّ"، بحُكم أنه لم تأت الأشياء في رأس صانع الفيلم من بنات فكره بشكل Pure وكامل، وإنما هي (مصفوفة الحسيّات والتجارب الشعورية التي اختبرها في حياته) هي التي كوّنت له هذا المعنى الذي أنشأ هذا المفهوم الذي أخرج هذه الفكرة. لذا فالحديث عن أفلامًا ذاتية لشاهين وأفلامًا غير ذاتية ليس الحديث المُناسب تمامًا عند قراءة فيلم كـ(اسكندرية كمان وكمان) لأنه سيُحتّم على المُشاهِد اعتبار أن شاهين "قَصَد" و"لم يقصِد".. وكما يُقال؛ المعنى في بطن الشاعِر. هُنا الأجواء الحميمية واضحة سواءً الفيلم دخل دماغك أم لا، يمكنك الشعور بـ"حالة" يوسف شاهين التي يريد فيها حكي شيءٍ "شخصي" للغاية، لا يريدَك أن تتماهى أو أن تعاطف معه، ولا أن تنبهر به، يريدَك فقط أن تفهمهُ. هو كأنّه يُعرّي نفسه أمام الجميع في قصيدةً يُهديها لذاته الماضية، ويُقدّمها بنفس الطريقة التي شابَ ووَلَع عليها؛ عبر فيلمٍ سينمائي.. لهذا "كمان وكمان" يمثل الفيلم النموذج التي يمكن من خلالها قراءة/دراسة/معرفة شخصية "يوسف شاهين". الحديث عن فيلم كهذا يحتاج أيام للكتابة عنه، لست من الفئة الأولى التي أعجبهُم الفيلم، ولست من الثانية التي كرهوه، يمكنني أن أقول أني لم أحبه لكني لم أكرهه.. "لم يعجبني" أنسب، لأني أعلم أن مُشاهدة "كمان وكمان" (الذي هو ربما أكثر الأفلام الشخصية ليوسف شاهين ذاته) في زَمَن آخر (وفِكر آخر؛ عبر القراءات الأخرى)، بالتاكيد كان سيكون وقعهُ مختلفًا، السؤال هُنا هل كان ليعجبني حينها أم لا؟


  • فعاليّة شاهين: ودعت حبك.. تجربة لطيفة وخفيفة...

    • 4 أيام
    • 3
    • 897
  • في اليوم الرابع من فعالية أفلام شاهين المُرمَّمة، عرض في نهايته فيلم "ودعت حبك" بعد فيلمي "شيطان الصحراء" و"باب الحديد"، ويُعد "ودعت حبك" الذي أنتج عام ۱۹٥٧ من أوائل اﻷفلام...اقرأ المزيد الطويلة التي يخرجها شاهين، والفيلم التاسع ترتيبًا في مسيرته. الفيلم المُصوَّر باﻷبيض واﻹسود، والذي تتصدر بطولته "دلوعة السينما" كما أُطلق عليها، الفنانة الجميلة "شادية" التي كان عمرها ۲۸ حينها، مع الموسيقار الذي مثّل في أكثر من ثلاثون فيلمًا بالسينما المصرية "فريد اﻷطرش"، يحكي في أجواءٌ بها مسحة كآبة وسوداويّة عن عنبر في مستشفىً عسكرية تجمع خمسة رجال يقضون أوقاتهم في التهريج والمرح ومُناكشة بعضهم بعضًا، إلى أن يصل الرجل المنطوي والمنغلق على ذاته الذي يجد في الموسيقى صُحبته الوحيدة (شخصية فريد اﻷطرش)، إلى العنبر معهم بأمرٌ من قائد العسكري، وهذا الرجل الذي هو بالفعل حزين ومكتئب ولا يرغب بالتحدُّث أو عمل الصداقات، لا يعلم أنه يعيش أيامه الحياتية اﻷخيرة بسبب مرض خطير مُصاب به. لكن المجموعة خفيفية الظل الذي يتصدّرهم (عبد السلام النابلسي وأحمد رمزي) بكارزميّاتهم الطاغية، يقررون إحداث تغيير في حياة هذا الرجل ولا يتركونه وشأنه ويُواصلون إزعاجه حتى يخرج من مووده، بالذات عندما يكتشون أن لديه صوتًا جميلًا مميزًا، وهم بالفعل يقومون بتحضريات لعمل حفلة موسيقية قريبة للرجال العسكريين. كما تُحاول شخصية "شادية" أن تدخل في عالم هذا الرجل الحزين رغم فظاظته الواضحة معها في البداية، إلا أنها تستحمِل اﻷمر ﻷنها أصلًا مخلوقة لطيفة وجميلة، وﻷنها تشعر بمعاناة هذا الرجل الداخلية.. فماذا سيحدث في علاقتهُما سويًا، وهل سيعلم مرضه العضال هذا أم ماذا؟ موسيقى ساحرة؟ "ودعت حبك" مصنف كفيلم موسيقي، وهذا ليس صحيح، فالفيلم درامي للغاية، وأغنياته تكاد تكون فواصل إعلانية بتعريفنا المعاصر، لكنه كفيلم ليس به رقص أو استخدام لهذه المزيكا في لب القصة أو كأسلوب ميوزيكالي، فهي لا تتعدى كونها الشيء الذي يحب البطل فعله في أوقات فراغه.. لذا فتصنيف الفيلم برأيي أفضل أن يكون "درامي"، يتحدث عن الموسيقى، لكن ربما هذه اﻷشياء جاءت للجوانب التسويقية للمنتَج، ما علينا. الجميل في الفيلم هو روحه والمسحة التشاؤمية به، فهُنا، استخدام اﻷغاني كـ(علاج نفسي) كان له معاني عدة؛ فشخصيات الفيلم يغنون ويُعبّرون عن ما في دواخلهم بالكلمات الغنائية وهذا أمرٌ لطيف، فالفن في هذا الحالة هو بمثابة شفاء من اﻷمراض المستعصية. الموسيقى هي بالطبع ليست بالشيء السيء، لكن ما لاحظته هو كثرة استخدامها كأنّها نمطًا عاديًا أن تُقدَّم بهذا الكمّ في هذا النوع من اﻷفلام بهذه الفترة الكلاسيكية. فالتماهي هُنا مطلوب، فلسفة "أغنيات اليوتيوب القصيرة" لم تكن موجودة بعد، اﻹيجاز وقول المختصر ليس مستحب، فهل كان هُناك أفضل من رؤية/سماع "فريد اﻷطرش" يقوم بغناء ثلاث أو أربع أغنيات تأخد نصف ساعةً كاملة من فيلم مدته ساعة ونصف أصلًا؟، لا أعتقد أن المُشاهدين كانوا يملّون كما يفعلون اﻵن، فالصوت العذب الساحر لفريد اﻷطرش كان دائمًا يُسحرهم مهما طال كما فعل معي عند مُشاهدة الفيلم الذي لا أُشاهد من أمثاله إلا كل حين. والفيلم هو تقريبًا أول فيلم يقوم "شاهين" باستخدام الموسيقى كعنصر من القصة به، قبل أن يجد في هذه الـ"مـوسـيـقـى" و"الـمـشـاهـد الـمـوسـيـقـة" ملاذًا له ستكون واحدةً من بصماته اﻹخراجية يقوم بوضعها في أفلامٌ أخرى كثيرة بعد هذا. أفضل تلك اﻷغنيات بالفيلم هي اﻷغنية الثالثة -وما قبل اﻷخيرة التي اختُتِمَ الفيلم عليها- المُسماة "احـنـا لـهـا" التي كتب كلماتها الشاعر "أبو السعود الإبياري"، وقد غنتها "شادية" مع "اﻷطرش" في حفلٌ صباحيٌ وطني يُوثر ويُحرك ما في القلوب بسبب إيقاعاته الموسيقية وصوت "شادية" الرائع.. تقول اﻷغنية: «احنا لها.. احنا لها -- نحمي العروبة وأهلها، احنا لهــا» مصر العزيـزة أُمنا -- نرفع رايتها للسما وأخواتنا وأولاد عمنا -- ويّانا بالروح والدِما نفدي العروبة بدمنا -- جيش الأسـود حامي الحِما . . . «ولما ح ينادي الوطـن -- نوهب حياتنا بدون ثمن» شوفي يا دُنيا واشهـدي -- أصبحنا من أقوى اﻷمم اروي يا دنيا ومجّدي -- أرض العروبة والشمم يا مصر تيهي وأسعدي -- يا مهـد أصحاب الهمم... ونستتبع القصة التي لا تخلو من الثغرات الكلاشيهية في قصة وقوع الرجل في غرام المرأة لقضاءه وقتًا طويلًا معها.. أو ملاحقة الرجال العدة للمرأة الواحدة ﻷنها جميلة الجميلات التي تتسابق عليها العيون (وهي هُنا عكس ما حصل في "شيطان الصحراء" حيث فتاتان تتشاجران على الظفر بقلب رجل واحد هو شخصية عمر الشريف)، لكنّ هذه اﻷمور لا تأخذ نفسها على محمل جد كثيرًا، بل أنّ الفيلم كوميدي اﻷجواء للغاية، خاصةً في بداياته، فالقصة تحمل مسحة سوداوية طفيفة نعم لكن الغلبة كانت على اللحظات الكوميدية ومَرَح المواقف، ليختار الفيلم ألا ينزوي ناحية الميلودرامية، أو أن يُبالغ في مأساوية قصته. شادية في هذا الفيلم تظهر بشكلٍ يجعلك تقول في نفسك، هل "شادية" هي ألطف إنسانة في الوجود، مثلًا؟.. "ودعت حبك" في المجمل فيلم بسيط وحلو، وربما بسبب كتيبة نجوم الشاشة الكثيرين به يكتسب جزءًا من أهميته؛ ﻷن هؤلاء النجوم استطاعوا تقديم أداءات طيّبة ليأخذونا معهم في ساعة وأربعون دقيقة من خفة الظِل الممتعة، والخفيفة على القلب. . . . . . . المشهد الموسيقي الختامي للفيلم:


  • فعالية شاهين: فجر يوم جديد.. رائعة كلاسيكية

    • 4 أيام
    • 1
    • 780
  • في نهاية اليوم الثالث ضمن فعاليّات "زاوية، النسخ المُرمَّمة لأفلام يوسف شاهين"، عرض فيلم (فجر يوم جديد)، وهو الذي أخرجه شاهين عام ۱۹٦٤ بعد عام واحد من تقديم ملحمته الأشهر (الناصر...اقرأ المزيد صلاح الدين). الفيلم يتحدَّث في فكرته الأساسية عن ردود الأفعال الـ"مجتمعية" الناتجة عن علاقة غرامية تجمع سيّدة في مطلع الأربعينات، بشاب في بداية العشرينات، والموضوع هُنا أقرب إلى الـ"تابوه". فـ"نايلة" هانِم ("سناء جميل" في دور قدمت فيه أداءً رائعًا)، تجد الشاب "طارق" (سيف عبدالرحمن) الذي يبلغ الثانية والعشرون من عمره، قد وَقَع في غرامِها لأسباب لا داعي لذكرها هُنا، لكن يُمكننا القول أنه أحمق ويختبر الحب للمرّة الأولى في حياته مثلًا!، وتجد نفسها هي الأخرى قد انجرفت له رويدًا رويدًا، لكن القصة لا تقف عند هذه النقطة ولا تُطوّر هذه الجزئية كثيرًا، بل لا تستمر بالتوغل فيها من الأساس، بل تختار -القصة- أن تستعرض طبيعة أو بالأحرى "معنى" هذا الحب بينهما من خلال تسليط الضوء على ردود فعل المجتمع والناس المحيطة بهم، لنجد أنّنا أمام فيلمٌ رومانسي الصنف، اجتماعي الموضوع يقوم بطرح أسئلةً على شاكلة: كيف سيتقبل الناس الموضوع؟، وكيف سيكون لذلك أثر على علاقتهُما؟.. وكيف سيتعامل الثنائي مع الأمر أصلًا؟، وما مدى استماعهُما للأفراد من حولهُما في ظل الأشياء التي يؤمنون بها عن مفهوم الـ"حب" الغير مشروط بسن مُعيّن؟.. للإجابة على هذه الأسئلة من الضروري عدم فصل السياق الثقافي - الاجتماعي لمِصر الستينات أيضًا. كما تحاول القصة عَمَل تماس بين قصة "نايلة" وبين قصةً (خيالية الطابع/ سيكولوچية التأثير)، لطفل صغير فقدته عائلته أو ما شابه، ودائمًا ما تسترجع "نايلة" ذكراها عن تعاملاتها القاسية مع هذا الصغير، لتكون هذه الموتيفة بمثابة جسرٌ سيكولوچي سيُعمّق من الصورة التي نأخذها عن هذه الشخصية؛ فيبدأ الفيلم لقطته الأولى على هذا الطفل الذي لم يتعدى العاشرة، كما يختار شـاهـيـن إنهاء فيلمه عليه أيضًا.. لكن ما بين مشهد الفيلم الافتتاحي هذا، والختامي، يحصُل الكثير. فتتضح معالم العمل بمرور زمنهُ ولا يبدو من الخطأ وصفه بـ(فيلم دراسة شخصية)، هي الشخصية التي تقدمها "سناء جميل". لا أعلم أهو عيبٌ مني أم أني لم أنتبه كفايةً أم ماذا، لكن هذا البُعد السيكولوچي لقصة الطفل الصغير لم أتواصل معه ولم أفهمه، رغم فهمي لمعناه الذي يمثل هاجس أو كشبح يُطارد السيدة ويُخبرها بماضيها.. . . . . . . . . - نايلة، نايلة (يصرخ بصوت عالٍ).. نايلة، ايه؟ = علشان مكانش مُمكِن.. - انتي عارفة إنّ دي آخر فرصة لينا = الحياة لسه قدامك طويلة، أنا عرفت معاك أيام سعادة مكنتِش أحلم بيها.. دلوقتي، خلاص - لأ، لأ مش صحيح.. أرجوكي، أنا محتاجلِك.. = الشباب مش محتاج لحد، بكرة هتلاقي بنت في سنّك وهتشوف.. هتبتدي حياتك وانتا حاسس إن جنبك شريكة لك، مش حمل تكون وراك.. - نايلة، انتي كل حاجة بالنسبالي = أنا الماضي يا طارق، انتا المستقبل.. . . . . . . . . "سناء جميل" بكارزميّتها وشخصيتها الجذابة هي حلاوة الفيلم كله، فمَع أنّ الفيلم يحكي قصتها في الأساس، فإن شخصيتها هي التي تتحرّك معها الأجواء التي تجعل من الحكاية مثيرة المتابعة؛ فعندما تحدث المُلاقاة العاطفية مثلًا، فإن ما يُقال هُنا أنّ "نايلة" هي من تنجرف إلى "طارق"، لا أن "طارق" هو من يُسحَر بغرام "ليلى"؛ لأنه من السهل على أي شاب -بطبيعة الحال- أن يقع في حب الفتاة الأولى التي يُقابلها، لكن ما ليس طبيعيًا في هذه الحالة هو أن تحب سيّدةً أربعينيةً أو ربما في نهاية الثلاثينات، شابًا بنصف عمرها. القصة كلاسيكية الأجواء هذه هي ليست بالمُعالجة المبتكرة أو التي لم تُقدَّم من قبل مثلًا، لكن تميُّزها وقوّتها تأتي من فكرة السياق الثقافي الموضوعة فيه، فنحن لا نتحدّث عن شابان في مدينة نيويورك أو باريس يحدث بينهما هذا الصدام العاطفي، بل بالقاهرة، مصر. لذا فالموضوع "مختلف" لأن تنفيذ الحكاية في بيئةٍ كتلك تُكسبها ملامح وروح هذه البيئة.. ومِن هُنا يأتي قوّة الفيلم الحقيقية؛ أنه مصري. من الملاحظ تأثُّر شاهين في هذا الفيلم تحديدًا بالسينما الأوروبية حيث كثرة التصوير في الشوارع وتحت أشعة الشمس، في اختيار المزيكا وفي الديكور وفي العديد من الأشياء. ورغم أنّ في هذا الفيلم من الواضح على "شاهين" به أنه يريد حكي قصته فعلًا، أعني أكثر من بقية أفلامه التي ربما يسيطر عليها هواجسه الذاتية (التي صُدِرت بعد كده أقصِد)، إلا أنه به العديد من الأشياء الأخرى التي تجعله "فيلم مختلف" بمفهوم الفيلم الشاهيني.. فإذا نظرت للفيلم ستجده "فيلم قصة" بالأصل، فقصته هي الأهم في أچندته، لكن رغم ذلك هو لا يبخَل بالتميُّز على صعيد الـ(تصوير) والـ(مونتاچ) والـ(موسيقى) مثلًا.. وهذا بالنسبة لي أمرٌ مختلف لأن هذا المجهود المكثف لا يوضَع عادةً في قصصًا تبدو بسيطةً كقصة فيلمُنا هذا [كاتب سيناريو الفيلم هو "عبد الرحمن الشرقاوي" نفس كاتب الرواية المأخوذ عنها فيلم "الأرض"]. فمثلًا التصوير، اختار شاهين الاهتمام بالمكان (العاصمة، المناطق القريبة من برج القاهرة) بشكل ربما مُبالَغ قليلًا، فقرر تصوير مشاهد "توثيقية الطابع" من طائرةً هليكوبتر أكثر من مرة، تحوم فوق العاصمة مُتتبعةً بذلك السيارة (التي تقودها إحدى الشخصيتين البطلتين). لا أن الأمر ليس له علاقة بالموضوع.. حسنًا، ربما يكون كذلك، لكن ما أرمي إليه أنه كما أن "الاستسهال هو دائمًا شيء سلبي"، فإن "الاستصعاب أو التجمُّل ليس بالشيء الإيجابي دائمًا" كما قال شخصٌ ما ذات مرّة. كما تميّز الفيلم بشكل واضح على صعيدي الموسيقى والمونتاچ، فالموسيقى التي وضعها الإيطالي "أنچلو لاڤانيني" كانت ممتازة، ولها أهم تأثير خلق أجواء الدارما بالفيلم. والمونتاچ أيضًا كان هائلًا، القطع جاء سلسًا، وخادم سيكولوچية الحدث بشدة. هُناك مشهد فوتومونتاچي تحديدًا أتذكر أنه أعجبني كثيرًا في هذه النقطة. في النهاية "فجر يوم جديد" تجربة مختلفة وجيّدة للتعرف على شاهين بعيدًا عن الأفلام المشهورة التي صنعها، شاهين ذاته كان مُقدّم شخصية مثيرة للغاية بالفيلم، وقد كانت تجربةٌ كلاسيكيّةٌ رائعةٌ بالنسبة لي، أحببتها أفضل حتى من مُشاهدة أفلام شاهين الأشهر على الشاشة الكبيرة.


المزيد

تعليقات

أرسل