Gravity.. في الفضاء لا أحد سيسمع صراخك*

  • مقال
  • 11:30 مساءً - 15 اكتوبر 2013
  • 5 صور



صورة 1 / 5:
Gravity
صورة 2 / 5:
Gravity
صورة 3 / 5:
Gravity
صورة 4 / 5:
Gravity
صورة 5 / 5:
Gravity

[الفقرة الأخيرة ربما تحتوي على حرق أحداث]

Gravitation

القوة التي تجبر الأشياء المادية إلى التسارع نحو بعضها البعض; كما تعرف بأنها العامل الذي يعطي وزنا للأجسام ذات الكتلة ويتسبب في سقوطهم على الأرض عند إفلاتهم.

ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.

الجاذبية.. إحدى قوى الكون الأربعة التي تحكم عمل جميع الموجودات المادية فيه، وهي تعمل جنبًا إلى جنب مع ثلاثة قوى آخرى: القوة النووية الضعيفة التي تحكم إشعاع الذرة، والقوة النووية القوية التي تربط جزيئات الذرة معًا، والقوة الكهرومغناطيسية. الجاذبية هي أضعف تلك القوى، هكذ يؤكد العلم، وهذا على الرغم من أهميتها الفائقة لاستمرار الحياة. أنت حينما ترفع ذراعك لأعلى تكون قد تحديت جاذبية كوكب بأكمله وتفوقت عليها، كما أن مغناطيس بحجم عملة النقود يملك من القوة الكهرومغناطيسية ما يكفي للتغلب على كل جاذبية الأرض. ربما من الصعب تصديق هذا، وربما تجد الأمر غير منطقيًا، لكن ثق أنه بعد مشاهدتك لفيلم Gravity، ستتأكد من مدى ضعف الجاذبية، وستعرف إنها عزيزة للغاية، وقد تستيقظ كل يوم صباحًا لتلثم الأرض شاكرًا الرب على وجود شئٍ كهذا.

حسنًا، كل هذا جميل. لكن دعنا ننحي العلم جانبًا الآن ولنتحدث عن الفيلم نفسه. قليلة جدًا هي تلك الأفلام التي تجد نفسك عاجزًا عن وصفها بالكلمات، ومع هذا تشعر برغبة مُلحة ومجنونة للكتابة عنها ما أن تشاهدها... قليلة جدًا هي، وبالتأكيد فإن Gravity واحدًا منها.

الفيلم سيمتصك تمامًا منذ مشاهده الأولى.. خاصةً بعد الافتتاحية الكلاسية الراقية التي قلما تجد مثلها هذه الأيام.. لقطة متصلة واحدة تزيد عن 10 دقائق بلا أي قطعات أخرجت ببراعة لتسبح بك في الفضاء المتاخم لحافة الأرض وتتغزل فيه.. ثم بعدها، يلقي بك الفيلم مباشرةً في خضم معركة بقاء فائقة التشويق تدور في أكثر البيئات المعادية للإنسان، الفراغ الهائل المحيط بالأرض معدوم الضغط والأكسجين، والذي لن يتورع عن تمزيقك إربًا ما أن تسنح له الفرصة.

صُمم الفيلم بعناية كي يرعبك من الفضاء والمجهول ويذكرك بهشاشتك المخيفة كإنسان، مثله في هذا مثل Alien الذي قدم صدمة مماثلة في أواخر السبعينات من القرن الماضي.. فهو ليس مجرد وقت ممتع تقضيه في الفضاء كما في Star Wars مثلاً.. بل هو مونودراما عنيفة ثقيلة الوطء نفسيًا وجسديًا تضعك في أجواء شديدة التطرف ستشعر بعدها أنك خائر القوى لا ترغب في أي شئ سوى بعض الوقت لترتاح والكثير منه لتتأمل، ثم وقت إضافي كي تستطيع العودة مرة آخرى لحياتك الطبيعية.. ولطالما كان هذا ديدن أفلام الفضاء العظيمة الآخرى من نوعية Moon، Contact ، Capricorn One ، Solyaris، وبالطبع الكلاسية العظمى 2001A Space Odyssey.

يُحسب للفيلم أيضًا علمه الرصين البعيد تمامًا عن المبالغات، خاصةً في التعامل مع تفصيلة انتقال الأصوات في الفضاء التي يتم تجاهلها دومًا في معظم الأفلام.. جعل المخرج ألفونسو كوارون فضاؤه ساكنًا واقعيًا لا تُسمع فيه أصوات التحطيم والإنفجارات، وهو بهذا انتهج الطريق الصعب الذي ينص عليه العلم والذي طالما غضت هوليوود الطرف عنه في الغالبية العظمى من أفلامها لتجعلها مشوقة.. المثير في الأمر أن كوارون جعل إعلانات الفيلم المختلفة تتضمن تلك الأصوات المزعجة كأي فيلم هوليوودي عادي، وهذا ليجعلها أكثر إثارة.. لكنه لم يلوث فيلمه نفسه بأي شئ من هذا القبيل.

لذا يخطئ البعض حين يظنون أن Gravity يصنف خيالاً علميًا.. صحيح أنه يتمتع بكل مقومات أفلام الخيال العلمي، سواء من ناحية المؤثرات البصرية أو البيئة التي تدور الأحداث فيها، إلا إنه يميل أكثر أن يكون فيلم تشويق/درامي يدور في الفضاء ليس إلا، فالعناصر الخيالية فيه محدودة للغاية.. فقط تم الترويج له على أنه خيالاً علميًا ربما ليضمن ناجحًا أكبر في صندوق الإيرادات، وهي الحيلة التي لا يحتاجها الفيلم على الإطلاق.. فهذا واحد من أهم إنجازات فن السينما في الألفية الجديدة، وواحد من أفضل أفلام الفضاء في التاريخ، ومن الممكن - إذا تماديت أكثر - أن تعتبره "أوديسا فضاء هذا الجيل"، لو كان تعبيرًا كهذا مناسبًا.

أيضًا الفيلم ليس فيلم مؤثرات بالمعنى المعروف، على الرغم من كونه متخم بصريًا في كل كادر تقريبًا. معظم أفلام الخيال العلمي التي تدور في الفضاء تعتمد كليًا على الإبهار البصري الأجوف.. لكن لا تتوقع شئ من هذا هنا، لقد وظف المخرج ألفونسو كوارون مؤثراته لتعمل في الخفاء على خلفية الأحداث بلا أي محاولة لاستعراض عضلات من أي نوع، فقط هو جعلها ممتازة لا ليبهرك ولكن كي لا يكسر إيهامك، وجعلها تخدم القصة دون أن تلهيك على الأحداث اللاهثة أمامك، وهو بهذا كان يسد فجوة الوضع المتأزم الدائم بين الإنتاج الفني الجاد وثقافة التلقي، تلك الأخيرة التي تسعى وراء الإبهار الأجوف في العادة.

بالنسبة للأداء التمثيلي لبطلي العمل فحدث ولا حرج.. كلونيفي دور أوسكاري للغاية، أداء واعي شديد الرزانة لن تتخيل أن يقوم به أي ممثل آخر.. ثبات في المشاعر وتحكم هائل في الإنفعالات وبرود أعصاب ثلجي يذكرك برواد الفضاء الحقيقيين.. أما ساندرا بولوك، تلك الفتاة العفوية التي خطفت قلبك وعقلك يومًا عندما شاهدت عيناها البنيتان الجميلتان وهي تقود حافلة سريعة في فيلم Speed في أوائل التسعينات، تعود من جديد هنا كإمرأة ناضجة لتخطف هذه المرة ليس جسدك وعقلك فقط، بل روحك ذاتها.. ولتجبرك أن تتوحد معها حتى تصيرا شخصًا واحدًا: تختنق حينما تختنق، وتتنفس حينما تتنفس.. بهذا الأداء الاستثنائي التلقائي لطالما أسرت ساندرا بولوك القلوب، وهي تكرر ما اعتادت فعله هنا باقتدار.

لم يتبق الآن سوى شئ واحد فقط لم نتحدث عنه.. فلسلفة الفيلم. في مشهد النهاية، وبعد سقوطها المروع من الفضاء وانجرافها على الشاطئ منهكة القوى، تحاول د. ريان ستون الوقوف للمرة الأولى بعد عودتها أخيرًا إلى الأرض، لكنها تسقط على الفور.. ها هي الجاذبية قد عادت لتؤدي عملها من جديد.. تبتسم ستون للمفارقة شاعرة بالامتنان.. ثم تحاول النهوض مجددًا، بقدم من حديد هذه المرة. هنا بشكلٍ ما في لاوعيك الكامن، ستشعر بأنها تجسيد لـ "آدم" ذاته، البشري الأول الذي يطأ الأرض للمرة الأولى بعد سقوطه من السماء.. وستعرف أن محور العمل كله يدور حول الإرادة.. الإرادة البشرية التي دفعت الحضارة الإنسانية قُدمًا وشكلتها عبر العصور.. تلك الإرادة دائمًا ما تثبت في كل تجلي لها أنها كالقوى الكونية الثلاثة الآخرى، أقوى بكثير من الجاذبية.

*عنوان المقال مأخوذ من الـ Tagline الشهير لفيلم Alien.



تعليقات