عاطف الطيّب.. خير الخطَائين التوّابون

  • مقال
  • 12:40 مساءً - 23 يونيو 2014
  • 1 صورة
  • 80,483 مشاهدة



عاطف الطيّب.. خير الخطَائين التوّابون

هذه ليست دراسة نقدية عن سينما عاطف الطيّب الذي تحل ذكرى وفاته هذه الأيام، ربما هي محاولة للتعرف على شاعرية هذا المخرج الذي جمع بين الصنعة والقيمة الفنية، الذي ربما صنفته اعتبارات نقدية بعد آخرين من أبناء جيله مثل: " داوّد عبدالسيد، أو محمد خان، أو خيري بشارة".

عاطف الطيّب مخرج الواقعية الجديدة الذي كان مولعًا بالبناء الدرامي التقليدي حيــث البداية والوسط والنهاية، من مواليد محافظة سوهاج وتحديدًا في جزيرة (الشورانيـة) مركز (المراغة) في 26 ديسمبر عام 1947.

كان يحلم أن يصبح ممثلًا، لكنه تخرج في معهد السينما قسم (إخراج) عام 1971. قضي فترة تجنيده العسكري في الأعوام بين 1971، و1975 وعقب انهاءه الخدمة العسكرية في تلك الفترة العصيبة التي سنرى أثرها لاحقًا في معظم أعماله، عمل الطّيّب مساعدًا لعددا من المخرجين ظهر تأثيرهم عليه بعد ذلك بنسب متفاوتة، مثل: ممدوح شكري في " 3وجوه للحب"، و يوسف شاهين في " إسكندرية ليه"، و محمد شبل في " أنياب" وبالطبع شادي عبدالسلام في "جيوش الشمس".

وعلى مدار 21 فيلمًا، قدمهم خلال 15 عامًا صعد وهبط الطيّب بين مستويات مختلفة، أثبت في معظمها أنه فنان حقيقي قادر على استشراف المستقبل وبين أعمال عظيمة تخلد اسمه بين الخالدين، وأعمال أقل مستوى، وأعمال فد تُصنف أنها شديدة السؤ، مضى كأغزر أبناء جيله انتاجًا لكنه بقى دائمًا "خير الخطَائين التوّابون".

ربما هذه أفضل خمسة أفلام لعاطف الطّيّب، ربما يرى آخر مجموعة ثانية تستحق أن تكون الأفضل بين أفلامه، لكنه بالتأكيد يستطيع بسهولة أن يحدد مجموعته.


سواق الأتوبيس
:

بعد فيلم لا يذكره إلا قليلون هو " الغيرة القاتلة"، يأتي فيلمه الثاني "سواق الأتوبيس" الذي كتب له القصة المخرج محمد خان.

في سواق الأتوبيس يحكي الطيّب ربما حكايته هو شخصيًا لكن باسم "حسن" وهو واحد من المجندين في الجيش المصري، الذين تحملوا هزائم الدولـة، وصنعوا انتصاراتها، لكنهم لم يستفادوا بما حققوه وذهبت كل مكاسبهم لآخرين.ألا يذكركم هذا بثورة صنعها شباب ونصروها بدمهم وعيونهم حتى كُتب لها النجاح، فذهبت كل مكاسبها للمنتفعين.

حسن لايجد العون إلا من رفاق الدرب، ومن تزاحم معه في نفس الخندق انتظارًا لساعة العبور، أما الانفتاحيين ومحترفي الاستفادة من المصائب لن يضيرهم أن تضيع ورشة "المعلم سلطان"، طالما بقيت لهم مكاسبهم.


الحب فوق هضبة الهرم
:

عن قصة لـ نجيب محفوظ ضمن مجموعة حملت نفس الاسم، قدم الطيّب فيلم "الحب فوق هضبة الهرم" عن (علي عبدالستار) وهو شاب في الثامنة والعشرين، يعاني مايعانيه كل أبناء جيله، حيث فشل في كل ما أراد تحقيقه.. أراد أن يدخل كلية الهندسة فألحقه مكتب التنسيق بالحقوق، أراد العمل بالشئون القانونية فألحقه مكتب القوى العاملة بالعلاقات العامة، أراد العمل بالعلاقات العامة فوجد نفسه يمضي نهاره في شوارع وسط البلد يتسكع دون هدف، تسحقه الثمانينات بانفتاحها واستهلاكياتها، بينما كل ما يريده هو من الدنيا أن يعيش حياة طبيعية كأي شاب في سنه دون أن يحمل هواجسه الجنسية كمجرم لا يستطيع الإفلات من العقاب.. حتى تظهر (رجاء) في حياته، الزميلة التي وضعها مكتب القوى العاملة في طريقه وكأنه أراد أن يكفّر عن ذنوبه الماضية، وفي كل مرة كانت الدنيا تتغير من حول علي، وتمضي غير مكترثة به، كانت رجاء هي الشخص الفاعل في الحكاية من أول إصرارها على الخُطبة له رغم رفض والديها، وحتى موافقتها على الذهاب إلى سفح الهرم حيث المكان الوحيد الذي سمح لهم به المجتمع لممارسة حياتهم الزوجية، وحتى هذا الحل لم يرضي عنهم الشرطة.


البريء
:

حينما عُرض فيلم "البرئ" لأول مرة في أغسطس 1986 كان قد مر ستة أشهر على ما عُرف وقتها باسم "أحداث الأمن المركزي" حينما خرج مجندو الأمن المركزي من معسكرهم في الجيزة إلى شارع الهرم مهاجمين وحارقين ومفسدين بعد إشاعة انتشرت عن مد فترة تجنيدهم إلى خمس سنوات بدلًا من ثلاث.

تنبأ الفيلم الذي كتب له السيناريو وحيد حامدبأن عساكر الأمن المركزي الذين طالما استخدمتهم الدولة أداة لقمع المخالفين سيخرجون علينا يومًا وقد أعلنوا رفضهم.

هذا هو الفيلم الذي قدمه عاطف الطيّب الذي إذا لم تدرك أهمية موضوعه، سحرتك أغانيه –كتبها كلماتها عبدالرحمن الأبنودي، ولحنها وغناها عمار الشريعي، وإذا لم يمسسك سحر الأغاني، سيطر عليك أداء الممثلين وعلى رأسهم أحمد زكيبأداءه لشخصية (أحمد سبع الليل رضوان الفولي).


إنذار بالطاعة
" في مدح حُب إبراهيم وأمينة ":

هناك مدرسة لاتعتبر الحب الراكد كنواميس الكون حبًا، بل تعتبر أن الحب الحقيقي هو الذي يسئ فيه الطرفان لبعض، ويضر به الطرفان بعضهما كأنهما ينتقمان لأيام الحب السابقة.. لم تفرق الظروف المادية والاجتماعية بين إبراهيم وأمينة في الفيلم الذي كتب له السيناريو خالد البنا، ما فرق بينهما هو عناد إبراهيم وطمع أمينة وسلبيتها.. بين الظروف الاجتماعية والتطرف وأزمة الجنس التي تطحنهم ينمو حب إبراهيم وأمينة، وينتصر أول ما ينتصر عليهم شخصيًا.


الهروب
:

درة أعمال عاطف الطيّب، ومانباهي به الأمم السينمائية، إذا تحدثنا عن أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية فهو بينهم، وإذا كانت المنافسة بين أفضل عشرة أفلام فهو بينهم، وإذا كانت عن أفضل خمسة فهو أيضا بينهم.

سيناريو مصطفى محرم عن منتصر الذي يشبه أبطال الأساطير.. أدهم الشرقاوي، ومتولي شقيق شفيقة، وسعيد مهران، الثائر لشرفه، والمنتقم لسجنه، المعلق بين السماء والأرض مثل الصقر.. لا يمانع من الاستفادة من الفساد طالما بقى بعيدًا عن أهله وعشريته، عطوف على الفقراء ومن يعلم بحاجاتهم، وعاشق يجد في الحب مهربًا مؤقتًا من جحيم المطاردين له.

يناقش عاطف الطيّب في عام 1990 أمرًا لا يدرك أنه سيصبح محور حياة المصريين فيما بعد عام 2011، حيث الإعلام يصنع حياة الملايين ويغير مصائرهم، وكما لو كان يرى المستقبل صور الطيّب منتصر بإنه "عصا موسى" التي استخدمتها الحكومة لإلهاء الرأي العام عن هروب المرأة الحديدية أو عن سيطرة المتطرفين على الجامعة.

لم يعرف عاطف الطيّب أن ما تنبأ به قبل أربعة وعشرين عامًا سيصبح منهجًا في المستقبل، فرحمة الله على الراحلين.


تعليقات

أرسل