روبين ويليامز: الباقيات الصالحات من الابتسامات

  • مقال
  • 01:24 مساءً - 12 اغسطس 2014
  • 1 صورة



الباقيات الصالحات من الابتسامات

بعد منتصف ليل هذا اليوم بقليل، امتلأت فجأة الصفحة الرئيسية لموقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك)، وعلى نحو مباغت، بعشرات الروابط الإخبارية التي نقلت خبر وفاة الممثل الأمريكي روبين ويليامز عن عمر يناهز 63 عامًا والذي أفادت وسائل الإعلام العالمية أنه يحمل شبهة الانتحار، خاصة بعد صراع طويل خاضه مع الاكتئاب الحاد، ومع محاولات التعافي المتكررة من إدمان المخدرات والكحوليات.

لم يكن خبر الرحيل فقط هو الصدمة الوحيدة التي نالها محبي روبين ويليامز حول العالم، وإنما لعدم إدراكهم كم الأحزان التي كانت تعتصر كيان وروح الرجل وراء ابتسامته المتألقة التي عرفوه بها لسنوات طوال من خلال عشرات الأعمال السينمائية التي خلفها، وللدرجة التي قد تدفعه لاتخاذ مثل هذا القرار بأن يترك الحياة، ويغادرها بملء إرادته، زاهدًا منها، وزاهدًا عن الابتسام مجددًا.

وفي هذا المقال، نحاول جاهدين أن نستمسك بابتسامة روبين ويليامز التي رافقتنا طيلة هذه السنوات، ونتذكرها معًا من خلال عدد من أبرز أعماله فنيًا وجماهيريًا.

ابتسامة لأجل لحظة من العرفان:

لم يكن ظهور الأستاذ جون كاتينج (روبين ويليامز) خلال أحداث فيلم Dead Poets Society كثيفًا مقارنة بالمساحة الدرامية التي احتلها الطلبة الذين يقوم بالتدريس لهم، لكنه في الوقت ذاته كان ظهورًا عظيم الأثر يفرض حضوره حتى لو لم يتحدث واكتفى بالصمت.

المشهد الأخير في الفيلم هو أكبر دليل على الكاريزما الهائلة التي يتمتع بها الرجل، عندما يقوم طلاب الفصل الذي قام بتدريسه بالوقوف تباعًا على مناضدهم، وهم يرددون بصوت عالي الجملة الأشهر من إحدى أبرز قصائد الشاعر الأمريكي والت ويتمان "O Captain, My Captain"، ليس فقط احتجاجًا على القوانين الظالمة للمدرسة، وإنما تحية وعرفانًا للرجل الذي علمهم القوة الكامنة التي تملكها الكلمة، ليستقبل كل ذلك بابتسامة راسخة تظل معنا حتى بعد مغادرته الفصل، وانتهاء الفيلم.

ابتسامة لأجل انعتاق مُنتظر:

يعرف الجميع عن روبين ويليامز تفوقه غير الاعتيادي في الأداء الصوتي وتقليد الأصوات، وعلى الرغم من كونه لم يقدم الكثير من أفلام الرسوم المتحركة خلال عمله السينمائي، إلا أن كل ما قدمه عندما قام بالأداء الصوتي لشخصية الجني في فيلم Aladdin، الذي بات من أنجح الأفلام التي قدمتها ديزني على الإطلاق، هو أفضل ما يمكن التدليل به على تألق الرجل في هذا المنحى.

روبين ويليامز ينطلق هنا بصوته أكثر من أي وقت مضى، حتى أن حضوره الصوتي الفائق يطغى على بقية الأداءات الصوتية التي تشارك في الفيلم منذ اللحظة التي ينعتق فيها الجني من قيود المصباح السحري وحتى ختام الفيلم، مما لفت أنظار غالبية النقاد، لدرجة قيام رابطة الصحافة الأجنبية المانحة لجائزة الكرة الذهبية بتقديم جائزة خاصة واستثنائية لروبين ويليامز في عام 1993 تقديرًا لمجهوده المبذول في الفيلم، ولكل ابتسامات الصغار والكبار الذين شاهدوا الفيلم.

ابتسامة من أجل العون في الأوقات الصعبة:

بعد مروره بتجربة نفسية عصيبة كادت أن تؤدي به إلى الانتحار، يجد هانتر "باتش" آدامز (روبين ويليامز) عزاءه ومصدر سلواه في رسم الابتسامة على وجوه المرضى والمعذبين، مما يدفعه إلى دراسة الطب في الجامعة رغم تقدمه في السن، ومنذ الدقيقة الأولى التي يدلف فيها إلى المستشفى من أجل التدريب، ينخرط آدامز في سلسلة من المغامرات المرحة من أجل إضفاء لمسته المبهجة على كل شيء في المكان، ومن أجل مساعدة المرضى بالابتسام.

كان التحدي الأصعب الذي وقف في مواجهة آدامز هو مريض صعب المراس يشرف على الموت، والذي لم يستطع بعد تقبل هذه الحقيقة، مما يدفع آدامز للتنكر في هيئة ملاك، وزيارته في عنبره، وسرد كل مرادفات الموت أمامه، مما جعل هذا المريض ينظر إلى الجانب المشرق في الأمر، وذلك من خلال واحد من أكثر مشاهد فيلم Patch Adams ألمعية وتميزًا.

ابتسامة لأجل لمة العائلة:

Mrs. Doubtfire، أو المعروف لدى غالبية المشاهدين المصريين تحت الاسم التجاري (مغامرات بابا الشغالة)، من أكثر أعمال روبين ويليامز جماهيرية على الإطلاق، ويطلعنا من خلاله أكثر فأكثر على جوانب وقدرات كوميدية لم تكن منظورة بنفس القدر الذي ظهرت من خلال هذا الفيلم.

في سياق الأحداث، لا يستطيع دانيال هيللارد (روبين ويليامز) أن يبتعد عن أبنائه ولو لطرفة عين، خاصة بعد طلاقه من زوجته، مما يدفعه للتنكر في هيئة سيدة مسنة تأتي للعمل كمربية لهم، وبعد أن يكتشف الأبناء ما كان من أمر أبيهم المتخفي بالصدفة، يتكتم ثلاثتهم على الأمر، وتصير الابتسامة فيما بينهم بعد ذلك هي الدليل إلى السر الذي يجمع ثلاثتهم.

ابتسامة تأتي مع البوح:

الدور الوحيد الذي نال به روبين ويليامز جائزة الأوسكار كان من خلال فيلم Good Will Hunting بعد ثلاث ترشيحات سابقة، والفضل الكبير في ذلك الفوز يعود للمشهد الذي يجالس فيه شين ماجوير (روبين ويليامز) ويل هانتينج ( مات ديمون)، الفتى العبقري الذي لا يقدر حجم الموهبة التي يحوزها، حيث ينخرط شين في مونولوج طويل للغاية، محدثًا إياه عن البون الشاسع بين القراءة عن الأشياء وبين معايشتها في سبيل أن يساعده في العدول عن نظرته المعتادة للأشياء.

ابتسامة روبين هنا تظهر على استحياء، يخالطها استغراق شديد في الحديث والتفكير، حاضرة بشكل دائم طوال المونولوج لكنها تواري شيئًا ما وراء كل ذلك.

ابتسامة الاكتشاف اﻷول:

كانت حكاية (بيتربان) للكاتب جيمس إم باري منذ ظهورها اﻷول أكثر من مجرد حكاية طفولية تُحكي قبل النوم، وإنما هى اسكتشاف عظيم للطفولة الكامنة والمنسية في دواخلنا، لذلك لم يكن غريبًا أن يعيد ستيفن سبيلبرج سردها مجددًا بطريقته الخاصة من خلال فيلم Hook، واضعًا (بيتربان) هنا بين الحياة الواقعية كما نعرفها، وبين العالم الخيالي الذي بناه باري.

مشهد بارز يكشف فيه بيتربان (روبين ويليامز) عن ابتسامة فريدة تجمع الترقب واللهفة والقلق في آن واحد حينما يقوم أحد اﻷطفال في مخبأ اﻷطفال الضائعين بتفحص ملامحه لكي يتأكد من كونه (بيتر بان) الذي يعرفونه.

ابتسامة المشرد الذي يجد الحب:

في العوالم الغرائبية التي اعتاد المخرج تيري جيليام تقديمها، لم يكن هناك من هو أنسب للمشاركة في بطولة فيلمه The Fisher King سوى روبين ويليامز لكي يؤدي شخصية باري التي تحمل كل هذا الخليط: أستاذ جامعي مهووس صار مشردًا يعيش في الخرائب ويسعى بهوس شديد وراء الكأس المقدسة.

مشهد الموعد الغرامي اﻷول الذي يجمع بين باري (روبين ويليامز)، وبين ليديا (أماندا بلمر) هو مشهد يحمل الكثير من الشغف، خاصة في ابتسامة باري التي تختلط بالدموع من فرط فرحته بعثوره على الحب الذي يعوضه عن الفقد الذي قاساه، لدرجة أنه يعترف لها مباشرة بذلك، ويحجمها عن التعليق لكي يقول كل ما لديه.



تعليقات