​حكايات الغريب.. قصة تستحق فيلمـــًا أفضل

  • مقال
  • 04:25 مساءً - 6 اكتوبر 2015
  • 1 صورة
  • 44,785 مشاهدة



الجندي في لقطة من الفيلم

في الليلة التي نُصبح فيها محتفلين بالذكرى الثانية والأربعين لحرب أكتوبر، كنتُ بالصدفة جالســًا أمام شاشة التلفاز، القناة المصرية الثانية، البث الأرضي.

القناة التي شَكّلّت وعي جيلنا، جيل الثمانينات بأكمله، من خلال برامجها التي ميزتها عن القناة الأولى التي اتسمت بالشكل الرسمي والبرامج الجادة، والإخبارية. في حين كانت القناة الثانية هي قناة الترفيه والثقافة الغربية، الموسيقى والأفلام، برنامج سينما الأطفال، وعالم التكنولوجيا، برنامج أوسكار في ليلة يوم الخميس، نشاهد مع سناء منصور فيلمــًا سينمائيــًا يرتقي بخيالنا.

بعد مرور قرابة العقدين، بعد أن صرنا نتجول بين مئات القنوات والأفلام والمسلسلات، جلستُ لمدة ساعتين أمام القناة الثانية التي بات حالُها مؤسفــًا فيما تقدمه من محتوى لا يختلف عن أداء الإعلام المصري بشكل عام.

المُهِم، وجدتُ القناة الرسمية المصرية تعرض فيلمــًا باسم " حكايات الغريب"، لم أشاهدده من قبل، قلتُ لنفسي فلنشاهد الفيلم حتى نهايته، فالقصة من تأليف جمال الغيطاني والسيناريو والحوار لـ محمد حلمي هلال، صاحب قصة فيلم " يا دنيا يا غرامي" و" هيستيريا"، فيلمان مميزان من عبق التسعينات، والإخراج لـ إنعام محمد علي، صاحبة العمل الذي خُلِّد في أذهاننا " الطريق إلى إيلات".

والفيلم من إنتاج قطاع الإنتاج التابع لاتحاد الإذاعة والتليفزيون، ذلك الاتحاد الذي قدم روائع الدراما المصرية في الثمانينات والتسعينات والتي مازلنا نتذكرها ولا نمل مشاهدتها حتى اليوم.

لمدة ساعة ونصف، تجلس أمام فيلم يتحدث حول فكرة "الغريب" الذي قضى نحبه في حرب أكتوبر بعد أن شارك أهل السويس نضالهم في حرب أكتوبر. وسط الفدائيين ليس مُهمــًا أن يتذكر الجميع اسمك، لكن بالتأكيد ستظل ذكراك العطرة خالدة وسطهم لما قدمته من تضحية من أجل تحرير الوطن.

هذه رسالة الفيلم ببساطة، محاولة لتذكير من نسى غرباء الوطن الذي أفنوا حياتهم من أجل الأرض، ولا أحد يعلم حكاياهم.

سيناريو الفيلم قام بلعبة الــ Flashback طوال الوقت، الذهاب والعودة بين فترة ما بعد نكسة 1967 وما بعد الحرب، تحديدًا عام 1974، لم يكن محبوكــًا بالدرجة الكافية، نقصه الكثير من التوغل في الشخصيات والأحداث، تشعر أن السيناريست كتب نبذة قصيرة من ثلاثة أسطر عن كل شخصية ولم يكلف نفسه عناء التبحر فيها. وعندما توغل في شخصية بطل الحكاية، ظهرت مهتزة غير واضحة.

فبطل الحكاية "عبد الرحمن" أو "الغريب"، محمود الجندي، يعمل سائقــًا ويعيش مرارة النكسة، لكنه شخص عادي ليس ثوريــًا كما تظهر الشخصية في الفيلم، يرى نفسه حالمــًا لم يولد للحياة في هذا العالم المليء بالغش والكراهية، يحب "جميلة" نهلة رأفت، أخت "حسن" صديقه، شريف منير.

قام "عبد الرحمن" بخطبة "جميلة"، لكن أسرتها غير راضية عن الخطبة لأن الوضع المادي لعبد الرحمن لا يؤهله للزواج. عبد الرحمن شخصيته تبدو طوال الوقت ضعيفة، انهزامية في بعض الوقت، يمكن أن يتنازل عن حقه بسهولة في وقت ما، حتى حبيبته ترى أنه لا يحارب عن حبهما، فوجدته قليل الحيلة عندما تقدم أحد أبناء المنطقة "شفيق" حسين الإمام، وأسرتها راضية عنه للغاية؛ لأنه "كسيب" يعمل في الجمعية التعاونية ولديه أكثر من تاكسي يدر له دخلاً كبيرًا.

تحولت شخصية "الغريب" تمامــًا عندما تزوجت حبيبته من خصمه "شفيق"، أصبح ثوريــًا، لا يكل من محاولات فضح "شفيق" الذي يقوم بتهريب سلع الجمعية التعاونية، لم ييأس من محاولات إعلام أهل الحارة أن "شفيق" متهرب من الجيش.

كان هذا بالنسبة لي أبرز نقاط الضعف في الشخصية، كيف لشخص مثل "عبد الرحمن"، ليست المسألة الوطنية هي الشاغل الأول له، غير مهتم بما يجري حوله سياسيــًا، لا يتذكر سوى واقعة مدرسة بحر البقر التي ماتت فيها ابنة أخته.

الشخصية فجأة تحولت بعد اندلاع حرب اكتوبر إلى بطل أسطوري، هذا البطل صنعته الصدفة وليس رغبة داخلية منه. فأثناء الحرب كان يعمل في إحدى المؤسسات الصحافية سائقًا لسيارة الصحافة التي تقوم بتوصيل الجرائد، وفي أحد أيام الحرب سافر عبد الرحمن لبلد الغريب "السويس" واختفى تمامــًا.

"عبد الرحمن" ليس هو المُراد، بل كل مَنْ هم على شاكلة عبد الرحمن، لكن الفيلم حول هذه الفكرة إلى طريقة خطابية ركيكة، تظهر في سذاجة الحوار المكتوب، فعندما يتحدث كل أهالي السويس عن صورة "عبد الرحمن" أنه كان يحارب هنا، ويصنع خندقــًا هناك، ويرفع التراب عن البئر الشهير في السويس أثناء انقطاع الماء عن المدينة، فتعود الماء مع عبد الرحمن الذي ذكره أهل السويس بأسماء عديدة.

تحولت صورة عبد الرحمن إلى صورة هلالية مُبالغ فيها، رغم أن الفكرة لم تكن بهذا الشكل أصلاً، الفكرة مفهومة، كل الغرباء صنعوا شرف هذا الوطن، لكن المبالغة حولت الحوار إلى مستوى خطابي مسرحي مستفز أحيانــًا.

في أحد الحوارات بين ضابط شارك في الحرب وأصدقاء حسن الباحثين عنه يقول الضابط "ده العريف حسن، اللي قلت له يطلع يرفع العلم، وأخد أكبر عدد من الرصاص عرفته البشرية" جملة ساذجة لدرجة الضحك، كيف عرفت البشرية عدد الرصاصات التي أطلقت في صدر الجندي المجهول الذي رفع العلم ليصبح الأكبر في تاريخها؟!

على مستوى الصورة، وقعت المخرجة في بعض الأخطاء، فكثير من المشاهد تم تصويرها من زوايا واسعة تجعلك تعرف بسهولة أن الفيلم لا يعبر عن صورة الستينات وأول السبعينات بل أنه يحدث في تسعينات القرن الماضي. في أحد المشاهد تتحرك سيارة على طريق مُمَهد للغاية وسط الصحراء وأعمدة الإضاءة يمينــًا ويسارًا، وكأنك تسير على طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي، كذلك سيارات التاكسي التي ظهرت كثيرًا في الفيلم يمكن للمشاهد بسهولة أن يراها تنتمي للتسعينات وليس للسبعينات.

أخطاء بسيطة يمكن لأي مخرج أو مدير تصوير أن يتداركها، أخطاء لا علاقة لها مثلاً بالميزانية الخاصة بالفيلم أو صعوبة عمل ديكور مشابه أو إيجاد اكسسوار ملائم، المجهود الإخراجي المبذول على الفيلم وضح ضعفه وعدم إتقانه رغم أهمية الحكاية.

أداء الممثلين كان ضعيفــًا وعلى رأس القائمة يأتي محمود الجندي، فمحاولة الجندي في أن يظهر شخصــًا طيبــًا كانت زائدة عن اللازم، أفقدت شخصية عبد الرحمن حقيقيتها. كذلك شخصية محمد منير، صنعت حاجزًا بيني وبينها، ربما لأنني أرى في محمد منير مطربــًا رائعــًا لا يصلح للتمثيل مُطلقــًا، أداؤه مُفتعل طوال الأحداث.

نهلة رأفت التي قامت بدور خطيبة عبد الرحمن أداؤها لا يرتقي لدور البطلة الحبيبة، البرود يجتاح شخصيتها، لهفتها على حبيبها الغائب يصعب تصديقها. الفيلم في مجمله ليس أفضل ما أنتج عن حرب 1973، فرغم بُعده عن صورة الحرب التقليدية التي صورتها كثير من الأفلام، حيث انتقل حول حكايات فدائيي الحرب المجهولين، إلا أنه في النهاية لم يقدمها على مستوى الصورة بالشكل المطلوب للمتعة البصرية ولا حبكة الحكاية التي تأسرك من اللحظة الأولى.

الفيلم رغم ذلك كان مُهمــًا بالنسبة لمشاهدة لقطات الحرب المصورة بشكل أكثر تركيزًا، فمنذ الصغر كنتُ أعتقد أن هذه المشاهدة حقيقية للحرب، لكن بمرور الوقت علمتُ أن نسبة كبيرة جدًا من المشاهد التي نراها علي أنها أرشيفية للحرب قد أُعيد تصويرها بعد الحرب في نفس المواقع. بالتأكيد هو عمل مهم جدًا لكنه لم يكن الواقع كما حدث، فالتصوير عندما تشاهده أكثر من مرة، تتساءل، كيف كان المصور يتسم بكل هذا الثبات أثناء الحرب، الكاميرا مُثبتة على حامل، لا تتحرك مع الجنود، تصور جندي من قرب شديد مبتسمــًا وهو يجلس علي دبابة، ربما هذا ما قدمه لنا التليفزيون الرسمي عن حرب أكتوبر وجعل المسألة في أذهاننا عالقة وكأن هذه الصور تسجيلية للحدث وقت وقوعه. في حين أننا عندما نشاهد أي لقطات حربية حقيقية نجد أن الصور لا تتسم بالثبات، فيها حركة دائمة، يتم التصوير من أماكن بعيدة عن مناطق الاشتباك، أو تصوير جوي إن أمكن، ليس بهذا القرب الذي نشاهده في لقطات حرب أكتوبر.

بالطبع مفهوم أن ذلك الأمر هدفه تخليد الصورة الإيجابية للحرب وحفر الانتصار وتمجيده في قلوب المصريين وعقولهم، لكن كيف لنا أن نخلد حكايات الحرب دون أن نقرأ التاريخ مرة أخرى، ونصنع أفلامــًا مميزة عن قصص لا نعرفها عن الحرب؟ انتهى الفيلم على القناة الثانية، وتمنيتُ أن أشاهد بعد الفيلم برنامجــًا من برامج القناة التي آلفتها عيونُنا منذ الصغر، كانت لحظة من النوستالجيا التي تذكرت معها برنامج العالم واخترنا لك وتاكسي السهرة وبانوراما فرنسية، لكنني استوعبتُ في اللحظة التالية أننا صرنا في عام 2015، التي لم يعد فيها التليفزيون المصري منتج روائع الدراما أو البرامج المُميَزة.

الأكثر مشاهدة


تعليقات

أرسل