إسكندرية الصبية.. مدينة الملاذ والاغتراب في السينما

  • مقال
  • 03:35 مساءً - 26 اكتوبر 2015
  • 2 صورتين
  • 31,655 مشاهدة



صورة 1 / 2:
عمرو دياب يغني على الشاطئ
صورة 2 / 2:
يوسف شاهين مطلًا على كورنيش الإسكندرية

بالرغم من سيطرة القاهرة على عقول صناع السينما في غالبية الإنتاج السينمائي المصري، إلا أنه يظل لمدينة الإسكندرية مكانة خاصة لدى أغلب المثقفين والفنانين بالرغم من صغر مساحتها وقلة الأماكن الأثرية بها مقارنة بمحافظات أخرى، وربما يعود هذا الشغف لأنها تحمل في باطنها ذلك الحلم القديم بالاحتواء والقبول غير المشروط مثلما كان الحال في النصف الأول من القرن العشرين، وهو ما حولها إلى ملاذ لتلمس خطوات هذا الحلم مرة أخرى حتى لو لم يعد موجودًا، أو على حد قول الشاعر علاء خالد في كتابه (وجوه سكندرية)، فقد كانت هى "استراحة المحارب أو العاشق أو المهزوم سياسيًا".

وتنعكس هذه الصورة على غالبية الأفلام التي تدور أحداثها كلها أو بعض منها في مدينة الإسكندرية، ففي فيلم ميرامار المقتبس عن رواية نجيب محفوظ، تتحول مدينة الإسكندرية إلى ملجأ لزهرة، الفتاة التي هربت من الضغوط العائلية المستمرة لتزويجها من رجل لا ترغب فيه، لينتهي بها المطاف للعمل في بنسيون صغير تجتمع به العديد من الشخصيات ذات الطباع المتباينة، ويصبح هذا العالم المصغر نافذتها على العالم الأكبر أو المدينة.

وعلى مدار الأفلام الثلاثة اﻷولى من سلسلة السيرة الذاتية الخاصة بالمخرج الراحل يوسف شاهين، تظهر صور مختلفة لفكرة اللجوء تلك، ففي إسكندرية ليه، تتحول مدينة الإسكندرية إلى مدينة مفتوحة على مصراعيها أمام العالم خلال حقبة الحرب العالمية الثانية وقدوم القوات النازية إلى مصر، فمنهم من يتخذها ملجأ موقت ومنهم من يحاول الخروج منها بأقصى سرعة مثلما حدث مع الطائفة اليهودية، ويتولد في وسط ذلك النزاع داخل النفوس بين البقاء مع الذكريات وبين مفارقتها سواء بالإرادة الحرة أو بالجبر.

تتواصل هذه الصورة العامة، ولكن على نحو أكثر ذاتية في العلاقة بالمدينة في كل من حدوتة مصرية و إسكندرية كمان وكمان، فتعود ذكريات الإسكندرية ليحيى شكري مراد مجددًا في الفيلم اﻷول كفلاش باك يذكره بما كان من أمر الإسكندرية، أما في الفيلم الثاني فهو يناجي المدينة من داخله مستنطقًا من خلالها تجليات الماضي المتألق (ممثلًا في تتابعات أنطونيوس وكليوباترا) التي تتعانق مع حاضره الحزين.

وفي موعد على العشاء تتحول الإسكندرية إلى خصم وحكم في آن واحد، ﻷنها تأوي بين جنباتها كل من الغريم والحبيب معًا، فبينما تحاول نوال أن تبدأ من جديد مع مصفف الشعر شكري في نفس الحيز المكاني بدون الخروج منه بعد زواج فاشل أرغمت عليه في السابق من عزت، يقوم عزت طيلة الوقت بوضع كل العراقيل في طريقها لإرغامها على العودة إليه.

تختلف الحالة كثيرًا في آيس كريم في جليم ﻷن المدينة لم تعد قادرة على مواكبة تطلعات أهلها ، فتتحول المدينة هنا إلى مجرد ذكرى، أو إلى ظل للحكاية، حيث يختزل سيف بعد انتقاله لمدينة القاهرة كل ذكرياته معها في ذكرى وحيدة لفتاة جميلة كانت تأكل آيس كريم بالشيكولاتة والليمون في محل كان يتردد عليه في منطقة جليم بالإسكندرية، ويحاول أن يعايش هذه اللحظة مجددًا وأن يستعيدها مجددًا حتى لو من خلال الغناء.

وفي فيلم معاصر مثل ميكروفون، تظهر حالة مختلفة كثيرًا تحفل بعدد من المتناقضات في بوتقة واحدة، فبينما تظهر كل أشكال اللاتصالح مع الواقع الحالي وهو ما يتم التعبير عنه بالاضطراب السياسي الحادث في نهاية عصر مبارك، لا يزال هناك صراع بين التمسك بالمكان رغم كل المشاكل والرغبة في البحث عن أماكن أخرى حتى مع صعوبة مفارقة الذكريات، ليظهر حل وسط يتمثل في اللجوء لتشكيل عالم موازي لعالم المدينة، والذي يمتاز بخصوصيته الشديدة واحتضانه لمن يشعرون بالاغتراب عن الجو العام للمدينة والمتمثل هنا في الفيلم في عالم الموسيقى المستقلة، ليتحول اللجوء تمامًا من مفهومه المكاني إلى مفهوم نفسي ووجداني.


تعليقات

أرسل