Split.. انفصام متعدد الأوجه

  • نقد
  • 04:34 مساءً - 26 فبراير 2017
  • 1 صورة
  • 9,568 مشاهدة



split

تحطيم النفس أم تحطيم العقل، ما الأصعب تأثيرًا على الإنسان؟ هل تتشكل ملامح شخصية الإنسان من خلال عدد الصدمات التي واجهها طوال حياته؟ أسئلة قرر المخرج والكاتب الكبير م. نايت شايامالان أن يعرضها من خلال فيلم Split، ليس فقط طرحها بل تقديمها في تقرير مفصل يجعلك كمشاهد متحمس ومتعطش لمعرفة ما سوف يحدث.

تدور أحداث الفيلم حول اختطاف ثلاث فتيات من قبل رجل غير معروفة هويته، يبدو مضطربًا ولا تعرف الدافع وراء اختطافه الفتيات. إحدى الفتيات تدعى كاسي (أنيا تايلور جوي)، وهي فتاة انطوائية، مثيرة للمشاكل وتتجنب الحديث مع أي شخص، تجد نفسها مدعوة لحفل عيد ميلاد واحدة من زميلاتها تُدعى "كلير" وتصحبهما فتاة أخرى تدعى "مريكا". يقرر والد "كلير" توصيل "كاسي" لمنزلها، لكن تتبدل الأقدار وتقع الفتيات الثلاثة فريسة لرجل مجهول يخطفهم ويحبسهم في مكان مغلق. في الناحية الأخرى نتعرف على د.فليتشر (بيتي بوكلي)، وهي دكتورة نفسية، تتعمق في دراسة حالة نفسية معقدة تدعى كيفين (جيمس ماكافوي).

"شايامالان" قدم نوع من أنواع الاضطراب العقلي يدعى الانفصام المتعدد (DID)، هذا المرض يتم تشخيصه بوجود عدة شخصيات مشتتة لشخص واحد، بمعنى أنه يتم محو الهوية الحقيقية للمريض ليظهر بديلًا لها هويات متعددة الشخصية تتعامل بطريقة طبيعية وتتبادل الأدوار حسب الحاجة النفسية للمريض، ويظهر هذا المرض نتيجة لصدمات عنيفة يتعرض لها المريض في فترات عمرية سابقة. من خلال د.فليتشر نتعرف أكثر على طبيعة هذا المرض، حيث تحاول تقديم دليل قاطع لطبيعة الهويات المختلفة، فتوضح أن كل شخصية مستقلة بشكل تام، لها هويتها الخاصة وتتميز عن شخصيات أخرى من حيث لغة الحوار والتفكير والاتزان النفسي والهوايات المفضلة وطريقة اللبس. فبشكل عام كل هوية تعتبر شخصية مستقلة تستطيع التعامل معها كأنها فرد مختلف له كيانه. ليس فقط على المستوى العقلي والنفسي بل أيضًا على المستوى البدني؛ فكل شخصية تتسم بمواصفات بدنية مختلفة تمامًا.

د.فليتشر وضحت طبيعة هذا المرض من خلال دراستها لشخصية "كيفين"؛ بعد أن تم تشخصيه بهذا الانفصام، إلا أن درجة المرض كانت مربكة للغاية، حيث تم تشخيص انفصامه لـ23 شخصية مختلفة؛ كل منها لها اسم وهوية وتفكير وطابع نفسي مختلف. نقطة مهمة أخرى هي كيفية تقديم الـ23 شخصية من خلال "كيفين" فتم تقسيم الشخصيات لمجموعة طيبة وأخرى مظلمة، شخصية "دينيس" و"بارتريشيا" و"هدويك" و"باري" هم الشخصيات الأساسية التي ظهرت في العلن؛ كل شخصية منهم لها دورًا أساسيًا واحتياجًا مختلفًا، كل شخصية تأخذ مناوبة مختلفة على حسب الحالة النفسية لكيفين. "دينيس" يعتبر الشخصية المسيطرة والتي تأخذ بزمام الأمور، هي التي تنفذ وتقرر؛ تجسد الحالة الدفاعية. شخصية "باتريشيا" تعتبر العقل المدبر بجانب "دينيس" وتمثل الحالة الوقائية. أما شخصية "هيدويج" فتعتبر شخصية طفولية تتمثل في حالة الهروب ونقطة الالتقاء بين الشخصيات. شخصية "باري" تعتبر الشخصية التي تمثل النور أو واجهة لصراع "كيفين" الداخلي، تحاول إنقاذه من شخصياته المظلمة التي تستحوذ عليه نفسيًا وجسديًا وعقليًا. الشخصيات الأربعة تعتبر الأكثر تحكمًا في كيفين ولهذا تستطيع الظهور بشكل متناوب لكن باقي الشخصيات تعتبر ثانوية ضعيفة أمام سيطرة الجانب المظلم لكيفين، فكلما حاولت إحدى هذه الشخصيات إنقاذ "كيفين" تستحوذ الشخصيات المظلمة عليه وتلغي وجوده تمامًا.

الفكرة الأساسية التي تناولها الفيلم هي إيذاء النفس بغير حق. تم تناول الفكرة من خلال تطور الحالة المرضية لـ"كيفين"، وفي الجهة الأخرى تطور شخصية "كايسي". وتعتبر شخصيتا "كايسي" و"كيفين" وجهين لعملة واحدة وهي الظلم. فكل منهما مر بظروف نفسية وجسدية سيئة في مراحل حياتهما، أدت إلى اضطراب نفسي وعقلي متعدد الأشكال. لكن الفرق في كيفية التعامل ومواجهة هذا الأذى. "كيفين" قرر الاستسلام للظلم والتخفي وراء عدة أقنعة، لكن "كايسي" قررت المواجهة. من خلال نظريات عالم النفس الشهير سيجومند فرويد نتعرف على سيكولوجية النفس وطرق مواجهة الصدمات عبر مراحل عمرية مختلفة؛ من خلال "كيفين" نظرًا لتعرضه لإيذاء جسدي ونفسي منذ الطفولة قرر عقله الباطن حبس تلك الذكريات السيئة وخلق دفاعات نفسية عبر العقل الباطن لتظهر علنًا بهيئة هويات متعددة تستحوذ على الهوية الحقيقية للشخص وتتحكم في مواجهة الأمور، لكن المشكلة أن هذا النوع من الدفاعات لا يمكن التحكم به من قبل الشخص نفسه، بل يتم محو إرادة الشخص وتتبدل بإرادة هويات تم خلقها من قبل العقل لتكون أكثر قوة في مواجهة العالم الخارجي.

مع تطور شخصيات "كيفين" المظلمة نصل لنقطة أكثر ظلامًا وعنفًا وتعتبر حالة الذروة في صراع "كيفين" النفسي، بعد أن تستحوذ شخصية "دينيس" على "كيفين" وجميع الشخصيات وتقرر إطلاق سراح الشخصية الأخيرة وهي شخصية الوحش التي تمثل الخلاص لفكرة تحرير الهويات المتعددة لتصبح هي المسيطر الدائم والواجهة الأساسية للحماية. ظهور الشخصية رقم 24 يؤكد نظرية د.فليتشر حول تميز كل هوية بسمات بدنية خاصة بجانب تشكيلها النفسي والعقلي فتعكس الجانب المظلم الذي لا يمكن السيطرة عليه، وتتحول الشخصية لحيوان مفترس ينقض على ما يقابله دون تمييز ليخلق إطار عنيف لشخصية "كيفين". عمق وحالة "كيفين" العقلية لصد صدمات الطفولة تتطور على مستويين، مستوى انفصام الشخصية لـ23 هوية كطريقة دفاع عقلي نتيجة للقمع النفسي، ومستوى أعمق وهو طريقة دفاع الهويات نفسها ضد تدخل البيئة المحيطة وإطلاق هوية الوحش.

من العناصر الأساسية والمهمة التي شكلت الفيلم هو أداء النجم جيمس ماكافوي. "ماكافوي" قدم واحد من أصعب وأقوى الأداءات التمثيلية في مسيرته الفنية، بل تعتبر حالة استثنائية لتقديم وتجسيد أكثر من شخصية في جسد واحد. التنقل العفوي والمحترف بين الهويات كان مبهرًا بدرجة كبيرة، تأثرك بتلقائيتها المرعبة وتحبس أنفاسك في العديد من المشاهد فتشعر بقلق وتوتر طوال الفيلم. "ماكافوي" أجاد في استخدام تعابير وجهه ونظراته الحادة في تجسيد كل شخصية، بجانب تغيرات نبرة الصوت واللهجات المختلفة على حسب رسم الشخصيات. من المشاهد التي لا تنسى التنقل بين الهويات الخمسة في أقل من دقيقة، فمجرد مشاهدتك لتلك الثواني ستشعر بحالة من الخوف المطلق والاندهاش لوصول "ماكافوي" لهذا المستوى الاستثنائي من الأداء، الذي بلا شك يضعه في قائمة المرشحين للأوسكار للعام القادم.

الخط الدرامي لـ"كايسي" يعتبر مهمًا وأساسيًا في محور الفيلم، شخصية "كايسي" قدمها المخرج كمرآة تعكس شخصية "كيفين"؛ فتمثل النقيض من حيث تطور الشخصية وطرق تفكيرها. فمن خلال عرض لمحات من طفولتها من خلال ذكرياتها نتعرف أكثر على شخصيتها وسبب وصولها لهذه المرحلة من الصراع النفسي. "كايسي" عانت من إيذاء جسدي ونفسي تحول إلى قمع مشاعر قاسية بداخلها وتحولها لشخصية انطوائية تميل إلى العزلة. من خلال حبسها من قبل "كيفين" تتطور شخصيتها وتبدأ صراعات الطفولة المحبوسة في التسلل من العقل الباطن لتحاول الهروب فكريًا وجسديًا. فمن خلال معاملتها مع "كيفين" وهوياته المتعددة أصبحت أكثر فهمًا لحالته العقلية، ما أتاح لها عدة طرق للهرب وهي كيفية استدراج أضعف شخصيات "كيفين" مثل "هيدويج" لمساعدتها في الهروب. السجن هنا يمثل حبس مادي ومعنوي بالنسبة لـ"كايسي" بل يسير بشكل موازي مع شخصية "كيفين" أيضًا، فكل منهما سجين جسديًا ونفسيًا واجتماعيًا.

كل العناصر السابقة تم تقديمها بطريقة عبقرية من خلال كادرات المخرج، ومدير التصوير مايك جيولاكيس، فمن خلال الكادرات المركزة والزوايا الخاصة لشخصية جيمس ماكافوي تم خلق أجواء مشوقة ومرعبة تجعلك كمشاهد في حالة توتر وإرباك مستمر. فتم تقديم شخصية "كيفين" بصورة مبدعة مليئة بتفاصيل كثيرة تتركك فى حالة إشباع تام لا تستطيع الهروب من مكانك لتصبح سجين أيضًا لهذه الأحداث. بلا شك المخرج والكاتب م. نايت شايامالان عاد بقوة لساحة أفلام الرعب التشويقي المميز التي تأسرك بغموضها وعمقها.

وصلات


تعليقات

أرسل