"بشتري راجل".. لماذا لم نعد نؤمن بالحب؟

  • نقد
  • 03:47 مساءً - 8 مارس 2017
  • 1 صورة
  • 5,798 مشاهدة



بشتري راجل

دعونا نتحدث كفنيين. لكن لحظة، في الحب؛ لا تصح القوانين، ولا تنطبق الفنيات. ينطلق فيلم "بشتري راجل" نحو فكرته الأساسية، ويطرح سؤالًا محوريًا: هل لازلنا نصلح للارتباط أم تغير مفهوم العلاقة.

يتخطى السيناريو الذي نبت في يقين أحلام مؤلفته، السيناريست الشابة الكاتبة إيناس لطفي، وأشرف على ورشة كتابته السيناريست وائل حمدي ليخرج إلى النور، ومن إخراج محمد علي، وعلى نفس الصف تقف المنتجة الشابة دينا حرب التي تنتج فيلمها الأول في أولى أعمال شركة "بيرثمارك" للإنتاج الفني؛ من خلال حكاية خفيفة، عن آدم وحواء، وما أل لهما، وما حل بهما، وكيف أصبحا في توجس وحيرة.

ارتياب وترقب، وأحيانا نفور. يتخطى الفيلم فكرة الحكي وتقنية التاريخ السابق ويعتمد على الفعل والعادة ورصد الحياة اليومية لتحديد ملامح شخصيات الحكاية، كلا على حِدة. خطوط معاصرة، لا يهتم بالتفاصيل لكنه لا يغفلها، يظلل على كل ما هو فرعي، ويركز على أبطاله بهجت وشمس. حكاية، من بساطتها؛ نستمع لها عبر أثير برنامج إذاعي تعده وتقدمه صديقة البطلة على الهواء، وربما تسجيل لقصة من واقع الحياة التي تتغير بسرعة مع كل يوم جديد. تلك هي مأساة السخرية، وسخرية المأساة. تلك هي واقعية الحياة ولابد.

"بهجت"، ويلعب دوره محمد ممدوح، رمز للرجل أو تعبيرًا عن احتياج الرجل، يريد الجنس والعلاقة الحميمية السهلة، بلا تعقيدات أو مسؤولية. بينما تلعب نيللي كريم دور "شمس"، أو غريزة المرأة، التي أوجعتها العلاقة مع الرجل، فخرجت تبحث عن إشباع غريزة الأمومة بلا أوجاع، ترفع يافطة واضحة "بشتري راجل"، وتحدد هي المطلوب منه "مأذون - أنبوبة - مأذون". حكاية مقلوبة، حكاية تروي مأساة جيل كامل فقد الرغبة في الارتباط، يهاب التجربة ولا يريد منها غير البدايات، ولم يعد يؤمن بالحب، ويخشى المسؤولية.

بالرجوع لأحداث الفيلم، قد يكون السيناريو ينقصه بعض الترتيب في المشاهد وإعادة لصياغة الدوافع لتصل للإقناع التام بغير لبس، اذ تجد الفيلم يبدأ بـ"شمس" تقرر فجأة أن تشتري راجل، دون معرفة دوافعها الحقيقية، والتي حضرت مؤخرًا على لسان "بهجت" و"شمس"، في مشهد ليلي خافت، يتقرب الاثنان في حذر، ليعترفا لبعضهما البعض عن سبب كل ذلك الهروب، في مشهد في خلفيته شجرة عملاقة، هي شجرة الحياة وأصل الحكاية ومكان اللقاء الأول لآدم وحواء.

خرج آدم وحواء من الجنة، لكنهما ظلا يجوبان الأرض بحثًا عن الاكتمال واللقاء. تقبلا العقاب مقرين بالخطيئة، فعلا ذلك لكنهما لم يتخلا عن بعضهما البعض. هما النقص الذي لا يكتمل إلا بالتوحد. لم يرهبا الوقوع في الحب، الخوف من فقد جزء من الحرية وعدم الثقة بالآخر، ولم يخشيا فكرة الارتباط والتجربة. الفشل والنجاح والكر والفر، تلك هي جوهر التجربة الإنسانية وغايتها. ولم يتنازلا عن الرغبة في تكرار المحاولة، مرة بعد مرة بعد مرة.

لذلك، لم نعد نؤمن بالحب. فقدنا الثقة في الآخر عن عمد كان أو دون قصد. أتلفنا فطرة المشاعر، ورحنا نقصد الطريق من اتجاهات خاطئة. لا شيء يجبر القلوب المكسورة، لا أحد يريد الرجوع لأصل العلاقة. تبدل آدم وتغيرت حواء، وتمرر الحلق بطعم الوحدة والفشل.


ولا يقتصر الموضوع عند ذلك الحد. فلعل أذكى ما في الفيلم، أن العمل لا يقدم فقط معالجة معاصرة وخفيفة لتيمة علاقة آدم بحواء، والتي قُدمت كثيرًا وعلى مدار عقود وبلا توقف. لم تكن معالجة شبه قريبة لفكرة مسرحية شكسبير الشهيرة "ترويض الشرسة" لكن أيضًا لم تكن بالقرب الكافي، حيث البطلة هنا تلعب دورًا معاصرًا. هي من تروض الرجل وتختار وتشتري وتعرض؛ حتى يروضها هو بالصبر والتفاهم والحب والقرب؛ لكنه قدّم أيضًا تحية لفن السينما عمومًا، ولأفلام السينما المصرية على وجه الخصوص وغيرها بتلك الإحالات الكثيرة جدًا، البسيطة في نفس الوقت. قد يظنها البعض اقتباسات سهلة، هي لا تخلو من السهولة في الاقتباس، ولكن يبقى دومًا هناك السؤال جليًا واضحًا، ما هو جديدك وما هي لمستك. فعلى غرار فيلم "دائرة الانتقام" الذي كتبه الثنائي إبراهيم الموجي وسمير سيف وأخرجه سمير سيف - ملك الأكشن المصري- في أول أعماله، والذي قدم معالجة متقنة وشيقة لتيمة الانتقام التي قُدمت مليون مرة (الفيلم نفسه اسمه دائرة الانتقام)؛ يسير فيلمنا هذا على نفس المنهج بنسبة متفاوتة، وهو ما قد يحسب له. لا أنكر برغم ذلك بعض نقاط الضعف التي كان يجب تداركها، وكان يمكن بسهولة. لكنه أحالني لجوهر مضمون الإبداع، فضحكت. تريدون فيلمًا معقدًا مؤرقًا ومفتعلًا؟ ما كان أسهل هذا، وما كان أفقره أيضًا. الفيلم لا ينشغل بالمقارنة ولا يخشاها؛ والتي دأب على تصيدها أصحاب الأحكام المسبقة. لقد أكملت المشاهدة وأنا سعيد بتتبع خيوط تلك اللعبة اللطيفة، وهذا أجمل ما فيه.

الفيلم يقول لك طوال الوقت إنه مجرد سينما. إنه سيستوحي أشياء رأيتها من قبل، إنه سيتحداك ألا تتأثر بأحداثه، ويثير فيك الرغبة في الضحك تارة ويثير شجونك تارة، من خلال الحوار المنضبط والسريع على لسان أبطاله وشخوصه، وكأنه عمل جديد تمامًا. جديد بالفعل؛ استوعب تراث أفلام الكوميديا الكلاسيكية المصرية القديمة مثل "أم العروسة" و"آه من حواء" وغيرها، بطريقة معاصرة.

أقول، إنه قد يتملكنا الشك طوال أحدت الفيلم، بمنتهى التحدي والصراحة، أننا وسط مقاطع شهيرة وتيمات من أفلام سابقة تبعث من جديد. لقطات سريعة من أفلام سابقة، تتجمع في داخل روح هذا الفيلم، وتنسج على مهل وفي وضوح. صوت قوي، لكنه ليس صوتًا ناشزا. جرأة تحسب لشباب هذا الجيل.


يقول الراحل أحمد زكي في فيلم "البيضة والحجر، جملته العبقرية: ويــل للعالــم إذا انــحرف المتعـلـمون وتبـهــيظ المثـقــــفون. أحمد زكي هنا يقف على حدود الإيحاء. بين بين، بين ما يقتنع به الناس والعامة، وما يوحي إليهم. هذه هو جوهر اللعبة.

قد مر علينا ولايزال موجة عاتية عنيفة من الرداءة والذوق الهابط، وخرج علينا من يريدون إقناعنا بأن هذه هي لغة العصر، فن معاصر يعكس الواقع، صناعة ولابد منها، بل ونبوءة بأن هذا هو دين السينما الجديد فأمنوا به واعتنقوه. ربما يكون قد خلقها جو الهبوط العام والانسحاب من المشهد العام بكل ظروفه وأحواله وملابساته، ولكن أعتقد أن شباب هذا الجيل قد نجح في أن يخلق جوًا ثوريًا معاكسًا، بأن تصدوا لهذا القبح وغامروا للانتصار للقيمة أمام المادة، الذوق أمام الوهم. ليس فقط لأن أشباه المدعين قد خرجوا بقوة ليملؤوا تلك المساحات الشاسعة من الفراغ من بعد ما توقف شريط السينما لسنوات وتعطلت ماكينة الصناعة.

الأفكار على الطريق، دعك من الأحكام المسبقة، تناولها وقدمها للأبد بطريقتك أنت. الجديد في الفن هو الفنان. إحساس الفنان، ورؤيته للعالم. قدرته على تفكيك الأفكار، وإعادة ترتيبها بطريقته، بلمسته هو. هذه هي روح التجديد ومغزى الإبداع. أن يترك فيك العمل أثرًا خفيفًا، أثرًا كما يقول الشاعر محمود درويش "أثر الفراشة"، أثرًا لا يُرى.. أثرًا لا يزول، مثل تلك الأحلام التي يعبرنا طيفها فتعيدنا رغمًا عنا لأصل الحكاية والواقع وروح الحب والرومانسية، مثل نسمة هواء عابرة في ليالي الحنين.

وصلات


تعليقات

أرسل