فوتو كوبي.. دعوة للحب والاستمتاع بالحياة لآخر نفس!

  • نقد
  • 12:39 مساءً - 28 ديسمبر 2017
  • 7 صور



في فيلم إمبراطورية ميم الذي لعبت بطولته فاتن حمامة في عام 1972، كانت الأم في منتصف الأربعينيات، ولديها من الأبناء سبعة في مراحل دراسية مختلفة، أكبرهم في المرحلة الجامعية، والأصغر لا يزال في الإبتدائية، وطرحت الأم الأرملة أثناء اجتماعها على العشاء مع أبنائها، حكاية فحواها أن لها صديقة في مثل عمرها، سوف تتزوج من رجل تقدم لها، وهنا يسألها أحد الأبناء عن عمر صديقتها المزعومة، فتخبره إنها في الأربعينيات، فيصيح أصغرهم "ياه دى عجوزة قوي"!!.

ولو كانت قصة الفيلم تحدث في أي دولة أوروبية أو أمريكية، ما كان لعمر الأم أهمية تُذكر حتى لو كانت في الثمانينات! ففي البلاد الأكثر تحضرًا لا ينكرون على الإنسان رجلًا كان أو امرأة حقه في أن يعيش حياته ويستمتع بها لآخر نفس، أما في بلادنا فإن المجتمع يقف بالمرصاد لكل من يجاهر بالحب أو يعيش من أجله وقد يسمح فقط بعلاقة الزواج عن حب تحت غطاء استمرار الحياة من خلال الإنجاب، لكن المجتمع لا يرحب بفكرة أن يتزوج الإنسان في أي مرحلة من عمره كي يستمتع بالحياة مع من اختاره شريكًا لرحلته، ولذلك لم تقدم السينما المصرية أي علاقة حب تربط بين رجل وامرأة من كبار السن، إلا في إطار الكوميديا والهزل أو الاستنكار.

وربما لهذا لم يلق فيلم أرض الأحلام الذي قدمته فاتن حمامة أيضا في عام 1993 أي نجاح تجاري يُذكر، لمجرد فكرة أن حكايته عن امرأة في منتصف العمر، تعيش قصة حب جميلة في ليلة رأس السنة مع "ساحر" عجوز يحيى الفخراني يقدم بعض الفقرات في الملاهي الليلية!.

وطبعا مش محتاج تعرف أن السينما المصرية لا تقدم أفلامًا تدور تفاصيلها عن كبار السن، بينما في السينما الأمريكية تجد أفلاما من بطولة مورجان فريمان، وروبرت دى نيرو، وجاك نيكلسون ، وآخرين وعمر كل منهم تخطى الثمانين، وهو مايجعلنا ندرك قيمة ماقدمه المخرج تامر عشري مع السيناريست هيثم دبور في تجربتهما السينمائية فوتو كوبي، مع ملاحظة أن المرحلة العمرية للشخصيتين الرئيسيتين في الفيلم أكبر بشكل ملحوظ من المرحلة العمرية لكل من محمود حميدة وشيرين رضا، التي قدمت شخصية سيدة مُسنة تقترب من الستين، متهالكة ومضحضحة بفعل المرض.

حكاية الفيلم تبدأ بسؤال يُلقى على "عم محمود " الشهير بمحمود فوتو كوبي، أين ترى نفسك بعد خمسة سنوات؟ ربما كان السؤال مفاجئاً له؛ لإنه لم يفكر في الإجابة، وربما تكون تلك المرة الأولى التي يتأمل فيها حياته، ويكتشف أنه تخطى الستين من عمره، دون أن تكون له زوجة أو أبناء ولا حتى حبيبة أو قصة حب يتذكرها بين الحين والآخر، في الحقيقة لم يهتم السيناريو بذكر أي شيء عن ماضي عم محمود فوتو كوبي (محمود حميدة)، وتعامل معه وكأنه بدأ حياته اليوم، مع نهايه تترات الفيلم وبداية أحداثه، كل مانعرفه عن عم محمود هو اللحظة الآنية، رجل كهل لا يمتلك في الدنيا سوى دكان صغير يضم أجهزة نسخ وتصوير، ومستندات، ونظرًا لقلة زبائنه فهو يجلس دائماً خارج باب الدكان الكائن في منطقة العباسية، يتأمل الحياة، وكأنه يتعرف عليها لأول مرة ، ولذلك فملامحه تحمل دهشة مستمرة، لأشياء بسيطة يعرفها الجميع، كأن يتفاجأ مثلا أن فيه حاجة اسمها عيد الفلانتين، حيث ينتشر اللون الأحمر والزهور والدباديب وتصبح فرصة لتبادل الهدايا بين العشاق!

ومصر تحتفل باثنين فلانتين واحد مصري والأخر عالمي! ومع ذلك "عم محمود" لم يكن يعرف أو يلحظ هذا الطقس السنوي، ولكن على كل حال فهو عندما يتلقى المعلومة من الواد عبدالعزيز أحمد داش يجدها فرصة كي يقدم وردة حمراء لجارته الست صفية (شيرين رضا) التي يكن لها أعجابا لم يبُح عنه إلا مؤخراً؛ ولكنها تشعر بالحياء ولاتمد يدها لتأخذ الوردة خوفا من كلام الناس!

عقدة الفيلم تقوم حول صراع عم محمود الدائم لمقاومه الانقراض، فهو لا يريد أن يلقي مصير الديناصورات التي تلاشت من على الكرة الأرضية من ملايين السنين، لأسباب غير معروفة ولكن ممكن تخمينها، وهى عجزها عن التأقلم مع الظروف المناخية المحيطة، وعدم تطوير وسائلها في الدفاع عن سلالتها هذا ما كان عليه حال الديناصورات، ولكن الإنسان ممكن أن ينقرض، وهو لا يزال على قيد الحياة، إذا تأكل من داخله ولم يكن له هدفاً يبقيه على قيد الحياة، وربما هذا ما أدركه عم محمود، وهو ما دفعه أن يوجه طاقة الحب داخله للست صفية جارته"، وهى أرملة مسنة تعيش وحيدة تستجدي عطف ابنها الذي تركها وحيدة، وسافر للعمل في الخارج، ولا يفكر حتى في السؤال عنها بتليفون أو رسالة نصية على الموبايل، وهى تُعاني من مرضها الذي انتزع جزًء حيوياً من جسدها، ولكن رغم كل ذلك بقيت فيها حاجة حلوة، تكمن في حبها للحياة والموسيقى والغناء القديم، تتبدل حياة محمود فوتو كوبي عندما يقبل نصيحة جاره علي الطيب الذي يملك (سايبر) يجتمع فيه الشباب للعب الفيديو جيمز في ضرورة أن يطور من نوعية الأجهزة التي يملكها في محله، كي يحقق دخلا أكبر، ويتمكن من الدخول لعالم الإنترنت الذي يتيح له متابعه ما يحدث في العالم.

رغم عذوبة رسم الأحداث والشخصيات وعلاقتها ببعض؛ إلا أن هناك مناطق غائبة كانت تستحق الاهتمام من السيناريست هيثم دبور، منها علاقة عم محمود بجارتهعايدة الكاشف التي منحها مكافأة نهاية خدمته كاملة، قبل هجرتها للخارج، في حين أنه كان في أحوج ما يكون لدفع إيجار دكانه المتأخر لشهور!! علاقته بهذه الشخصية الغامضة كان يستحق التوضيح، لا يوجد شخص مهما كانت درجة نُبله وعطاؤه يمنح شخص آخر كل مدخراته،وهو ذاته يعاني من قله الموارد المالية! ثم أن الإصرار الغريب على أن يكون ارتباط محمود وصفية ناتج عن اضطرارها لذلك بعد أن طردها ابنها من شقتها، يُسىء للعلاقه الجميلة التي نشأت بينهما، وكإنها لم توافق على الزواج منه لرغبة، وإرادة منها كي تعيش ما تبقى لها من العمر معه ولكن لمجرد أنها أصبحت في الشارع وفي حاجه إلى بيت يلمها!! الإسراف الشديد في توضيح مرضها، وإنها متهالكة تماماً حتى ينفي السيناريو أن العلاقة بين صفية ومحمود ستكون علاقة طبيعية بين رجل وامراة، وكأن هذا عيب؛ ولكن فقط من أجل أن يجد عم محمود شخص يؤانس وحدته!.

المخرج تامر عشري قدم مشاهد ممتعة وبسيطة بين شخصيات الفيلم مع ندرتها، ومع ضيق أماكن التصوير مثل دكان محمود، دون أن يشعر المتفرج بالاختناق، ولكنه في نفس الوقت لم يهتم بتوضيح جغرافية المكان، فنحن لم نشعر إطلاقا بتلك المسافة التي تبعد ما بين العمارة التي تقطن فيها صفية، وبين الأجزخانة التي تذهب إليها لتأخذ الحقنة اليومية، وتحتاج دائما لشخص يساعدها في عبور الشارع! هل هى مسافة كبيرة إلى هذا الحد؟ لا اعتقد أنها كانت في حاجة لتلك المساعدة، وخاصة وأننا تابعناها تسيرزي العفريت مع عم محمود أثناء ذهابهما للسينما دون أن تعاني من قدرتها على الحركة! كما يقال أن الذي يميز فيلما عن الآخر هو الاهتمام بالتفاصيل، وقد أغفل السيناريو بعضها أو الكثير منها، ولكن بقى اهتمام ناهد نصرالله بتفاصيل ملابس الست صفية سواء ما ترتديه داخل المنزل أو خارجه، وكذلك الشكل الذي ظهر عليه "عم محمود".

أداء الممثلين رفع كثيرا من قيمة الفيلم وبدى محمود حميدة فى أروع حالته، واجتهدت شيرين رضا في شخصية هى الأبعد عن تكوينها الذي نعرفه، ويؤكد علي الطيب أنه من أهم الوجوة الصاعدة، التي سوف يكون لها مكانة في السنوات القادمة، بشرط ألا يفكر في القفز للصفوف الأولى.

أما أحمد داش فيملأ الشاشة حيوية أينما ظهر، موسيقى ليال وطفة أضافت كثيرًا من المتعة والشجن لأحداث "فوتو كوبي" الذي سوف يحسب كبداية جيدة لمخرجه لإنه فكر عكس المألوف، واختار موضوعاً صعب أن يتحمس له مخرج آخر.




تعليقات