مخرجة فيلم بنزين: أواجه احتقار العاصمة لكل ما يأتي من خارجها

  • حوار‎
  • 03:04 مساءً - 13 فبراير 2018
  • 5 صور
  • 5,109 مشاهدة



في الجنوب الشرقي التونسي، بالتحديد في مدينة صغيرة منسية تُدعى المجني، يعيش سالم وحليمة أسوأ لحظات حياتهما. أب وأم قضيا عمرهما الأول يبيع الوقود المُهرَب من الحدود الليبية، والثانية تزرع الزيتون، لينفقا على تربية ابنهما الوحيد حتى يتخرج من الجامعة. فجأة ومع طلوع صباح يختفي الابن، يرحل ليعبر المتوسط حالمًا بالجنة الأوروبية، تاركًا ورائه أب وأم يسائل كل منهما نفسه والآخر عمّا جعل جهد عمرهما يضيع سدى.

حمد بن سالم الرزقي، نحفظ اسم الابن الذي لا نراه أبدًا من كثرة تكراره على لسان أبويه، يطرقان كل الأبواب الممكنة وغير الممكنة على أمل سماع ولو خبر عنه. ليكون هو الغائب الحاضر في كل لحظة، فيما تركه ورائه من شرخ بين روحين لم يرتكبا في حياتهما ما يستحق كل هذا الألم.

بنزين هو اسم الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرجة سارة عبيدي، المعروض حاليًا في الصالات التونسية بعدما شارك في مسابقة مهرجان دبي السينمائي الدولي قبل شهرين، ولفت الأنظار لا سيما لموضوعه المُعالج برقيّ وإنسانية، وللأداء المُلفِت من بطلته سندس بلحسن في دور الأم حليمة.

مع سارة عبيدي كان هذا الحوار عن "بنزين"..

- السينما التونسية، مثل أغلب السينمات العربية، عاصمية، تدور أغلب حكاياتها في العاصمة والمدن الكبرى. سندس بلحسن يفعل العكس ويكسر المركزية بحثًا عن حكايات في الأطراف والبلدات غير المطروقة سينمائيًا، هل كان هذا خيارًا متعمدًا؟ ولماذا؟

فعلًا، فكرة المركز مهيمنة تاريخيًا وسياسيًا وقد انعكس هذا اجتماعيًا واقتصاديًا وفكريًا. فكل ما هو آتٍ من المركز هو المرجع ويحظى بالسيادة التامة بينما الاطراف لا قيمة لها. بل أصبحت الثقافة المغايرة والصورة المغايرة مدعاة للاحتقار. هذه العقدة نراها بشكلٍ جليّ في السينما، كالسخرية من اللهجة والعادات وتهميش صورة الفضاء المكاني الخارج عن المدينة.

أعتقد أن فيلم بنزين كسر هذه الصورة النمطية. كان خيارًا اساسيًا بالنسبة لي. أنا لا أنتمي للمركز وهذه الثقافة لا تمثلني، وأعتبر نفسي من جيل سينمائيين جديد، نحاول صنع أفلام وسينما تشبهنا. فكرة الثورة الثقافية يجب أن تبدأ من هذه النقطة، من إلغاء هيمنة ثقافة المركز. "بنزين" جرّ المتفرج إلي فضاء وصور لم يعتد عليها، وجرّه أيضا إلي الاستماع لحكايات ذات بعدٍ إنساني في سياقٍ معاصرٍ وملتصقٍ بواقع نعيشه الآن وهنا. بلهجة الجنوب الحقيقية دون تحريف أو تهكم، بصورة سينمائية وأداء متطور بعيد عن البطاقات البريدية أو الفُلكلور. من الضروري بالنسبة لي إنتاج صور وحكايات يرى فيها المتفرج نفسه. أنا لست بمعزل عمّا يحدث، لديّ رؤيتي الخاصة ولا استطيع أن أكون نسخة لغيري، ولا أعتقد أيضًا أنه يمكنني صنع أفلام لا تمسني أو تعبر عن قناعاتي وهواجسي.

- "بنزين" أيضاً يسرد الجانب الآخر للحكاية، فقد شاهدنا أفلام عديدة تتحدث عن الحراقة والشباب الذين يعبرون البحر حالمين بمستقبل أفضل. هل هو انتصار لأسرهم الذين لا يروي أحد حكايتهم؟ رغم هول فقد أي أم أو أب لابنهم. هل كان هذا أحد دوافعك لصنع الفيلم؟ وماذا كان المحرك الرئيسي للفكرة؟

العديد من الافلام الروائية والوثائقية اهتمت وعالجت مشكلة الهجرة السرية من زاوية المهاجرين، سواء عند العبور أو عند وصولهم للضفة الشمالية ولكننا لم نر ذلك "الجانب الآخر من الحكاية". ربما لأن عناصر المغامرة والإثارة والتشويق التي تُبني السيناريوهات عليها عادةً ليست متوفرة أو مغرية.

لا أخطط لأفلامي ومسيرتي بشكلٍ استراتيجي ربحي، أنا فقط أتعامل مع الموضوعات ذات البعد الإنساني التي تمس أعماق نفسي وأكون قادرة على أن أحلم بها وأحملها وأدافع عنها عدة سنوات إلى أن يتحقق الحلم. في 2011 تغير المشهد في تونس. يجدر بالذكر أن أكبر موجة هجرة غير شرعية تمت ليلة 18 جانفي، أي بعد أربعة أيام فقط من تغير الوضع، فهؤلاء الشباب الذين خرجوا في الشوارع وتحدّوا النظام هم أنفسهم قرروا مغادرة البلاد كأنهم يعلنون فقدان الامل في بلادهم. شبابٌ غاضبٌ يبحث عن الحياة والحلم حتى وإن كان الموت أقرب.

ثم رأينا لأول مرة أناسًا يخرجون عن صمتهم. شاهدت في وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي عائلات وأمهات المفقودين أثناء الهجرة غير الشرعية لإيطاليا يطالبون بمعرفة الحقيقة حول اختفاء ابنائهم. سؤال يبدو بسيطًا ولكنه يحمل مأساة ولوعة تلك العائلات. الفقدان حالة مرعبة. هذا الانتظار الذي لا أجل لنهايته. الأم التي تستفيق على أمل رجوع أو العثور على ابنها ثم يأتي الغروب ويتلاشي الأمل وتستفيق في الغد على نفس الأمل ثم يتبدد من جديد مع حلول الليل، أعتقد أنه إحساس لا يوصف. أن تفقد أم فلذة كبدها وفي الآن نفسه ترفض فكرة موته لأنها لم تدفنه هو قمة الماساة.

مشاهد الامهات واقفات أمام المباني الحكومية تحملن وتضعن فوق صدورهن صور أبنائهن بكل شجاعة وعزم على محاولة معرفة الحقيقة صدمني. صورٌ لم تُمحى من ذهني. أحسست بآلامهم وتبنيت قضيتهم. هذا ما دفعني تلقائيًا لكتابة السيناريو والغوص أكثر في الموضوع.

- الحراقة فعل غير قانوني، لكن الأب أيضاً يضطر للعمل بشكل خارج إطار القانون في بيع البنزين، وكأن الفيلم يرصد شخصيات منسية، مجبرة ـ سواء بقت أو رحلت ـ على مخالفة قانون لا يسعى لخدمتهم. هل كانت هذه علاقة حاضرة في ذهنك؟ وما يمكنك أن تقوليه عن حياة بشر مثل أبطال حكايتك؟

الفيلم يروي حكاية المهمشين والمنسيين. أماكن وأناس همشتهم الدولة والسياسات المتعاقبة منذ الاستقلال. الجنوب التونسي كان ولا يزال مهمشًا علي كافة الأصعدة لأسباب سياسية غير معلنة تغذيها الانتماءات الجهوية. في الجنوب الشرقي وعلى مر العقود يعيش الناس على الاقتصاد الموازي من البضائع الآتية من ليبيا، أو العمل في ليبيا نفسها، بحكم القرب الجغرافي وحتى الثقافي والاجتماعي. هؤلاء مضطرون للعيش بهذه الطريقة لأن موارد الرزق شحيحة والدولة تخلت عن دورها في ذلك. في نفس الوقت الدولة تغض الطرف عن هذه التجارة الموازية التي تمارس في العلن لأن لا وجود لحلول أخرى. بعد 14 جانفي حاولت الدولة أن تضيق على هؤلاء وجعلتهم في نفس السلة مع ممولي الإرهاب. لكن رؤيتي مختلفة، لم أرد أن أقع في فخ إصدار الإحكام على هؤلاء الناس، هي ليست مهمتي، فما دام الأفق مسدودًا والرؤى الاقتصادية والسياسية منبثقة بصفة متعالية من المركز لن تتغير الأوضاع.

- من التيمات الرئيسية في الفيلم تيمة ألم فقد الحبيب، وما ترتب عليه من شرخ لعلاقة حليمة وسالم.. أقوى اختيار هو أن الابن فاجأهما بقرار. في ليلة واحدة تحوّل الابن المتعلم الذي ربما يحلمان أن يغير حياتهما للأفضل، صار مصدر التعاسة والألم.. في هذا تعبير بديع عن علاقات معقدة كالزواج والأبوة والأمومة.. هل استعنت بحكايات عشتيها أو سمعتي بها لخلق هذا الزخم من المشاعر؟

فعلًا هذه العلاقات عادةً تكون في ظاهرها طبيعية تلقائية وبسيطة رغم عمقها، لكنها تتحول علاقاتٍ شائكةً ومعقدة عندما تحدث أشياء مفصلية من هذا القبيل في حياة الأشخاص. حاولت أن تكون لكل شخصية كينونتها السيكولوجية الخاصة، كيف أن هذه "المصيبة" التي حلت بهما أخرجتهما من دائرة الانسجام الاجتماعي الطبيعي كأب وأم وزوجين إلى دائرة الفردانية، إلى الإحساس بالنفس بمعزل عن الآخر أو في صدامٍ مع الآخر. حليمة وسالم يحاولان امتحان قدرتهما على تقبل الفاجعة، كلٌ بطريقته، وكذلك امتحان قدرتهما على مواصلة العيش سويًا. الفراغ وغياب من كان يملأ حياتهما جعل كل واحدٍ يجلس إلى نفسه ليكتشفها. ما حدث لهما جعل حياتهما تتوقف فأصبحا فقط أرواحًا هائمة نسيت أن لديها رغباتٍ وجسد.

منذ الكتابة حاولت التركيز علي هذه الجوانب. ربما ما سمعته وعشته وقرأته، وأيضًا ثقافتي السينمائية وتحديدًا الغربية منها ربما ساعدتني كثيرًا في ذلك، ولكن لا أنكر أن العمل مع الممثلين أضاف كثيرًا للشخصيات.

- في المشاهدة الثانية لاحظت فروقاً بين الرجال والنساء في الفيلم.. ربما لأن الرجال هم من يُنتظر منهم تحقيق الكثير لكنهم لا يحققون شيئًا فيصيرون مثل الأطفال خصوصًا عندما يكونون سويًا.. النساء أكثر قوةً وتصميمًا.. لكن في النهاية الضعف يجمع الجانبين. ما رأيك؟

نحن نعيش في مجتعات ذكورية. الرجل مطالبٌ أن يكون الأقوي، وهو صاحب القرار وعليه تُعلق كل الآمال. هذا واقع توارثناه وما زلنا نعيشه. لكن في الواقع أيضًا هناك نساء تدير الأمور وتتحكم فيها بطريقة أخرى. معروفٌ أن النساء أكثر تصميمًا لبلوغ الهدف، وإصرار حليمة يضاف إليه إحساس ومشاعر الأم. كما ذكرت في النهاية الضعف يجمع الجانبين لأن الصورة التي يريدها المجتمع للرجل أو المرأة هي فقط قناع أخلاقي واجتماعي ليس مريحًا، يسقط حالما تتلاشى الضغوطات.

- من أكثر التفاصيل إيلامًا في "بنزين" تعامل الجميع مع احتمالية غرق الابن باعتبارها أمر طبيعي يذكرونه للوالدين طول الوقت. الأمر قد يكون بالفعل منطقي لكن ما يجعل الناس لا ينتبهون لجرحهم مشاعر الأبوين هو تكرار الحدث الذي جعل غرق أي شاب مجرد رقم في خبر مكرر. عندما قررتِ التصدي لهذه القضية هل اعتمدت على أبحاث أو تحقيقات بعينها أم كان الاعتماد على معايشتك الواقع التونسي اليومي؟

عدد المفقودين يعد بالآلاف اليوم في تونس، واحتمال موتهم أقوى من احتمال حياتهم. في السجلات الرسمية هم أرقام يقع تسجيلها اعتمادًا على بطاقة الهوية ومعطيات أخرى. تكرر هذا الحدث وتداوله في وسائل الإعلام صار أمرًا عاديًا كأي حدثٍ آخر في مرحلة كثرت فيها الأحداث المؤلمة من اغتيلات سياسية وإرهاب وغيرهما. هذا التطبيع مع الموت أعتقد أن لديه وقع أقسي لدي عائلات المفقودين.

- الفيلم يُعرض حاليًا بنجاح في الصالات التونسية، ما تقديرك لردود الأفعال؟ وهل كان توزيعه بشكل لائق صعبًا؟ خاصة وأن هناك أقاويل حول سيطرة تكتلات بعينها على سوقي الإنتاج المشترك والتوزيع في تونس؟

"بنزين" ليس مجرد فيلم، بل أصبح مرتبطًا بحدث أليم في حياتي هو فقدان زوجي ورفيق دربي علي بن عبد الله ـ وهو منتج الفيلم ومدير التصوير ـ قبل انهاء العمل. لذا فكان خروج الفيلم بالنسبة لي تحديًا للصعوبات التي عشتها وكذلك تكريمًا لروحه. بدأ عرضه في القاعات يوم 24 جانفي، استقبال الإعلام والنقاد والجمهور كان جيدًا إجمالًا، مما خفف عني الحزن لفراق علي لأننا كنا نحلم بأن نكون معًا حين نقدم الفيلم للجمهور. التوزيع في تونس مازال معضلة في ظل غياب قاعات السينما واحتكار موزعٍ واحدٍ تقريبًا للسوق.



تعليقات

أرسل