"الرجل خلف الميكروفون".. الوجه الآخر للهادي الجويني بعيون حفيدته

  • مقال
  • 08:24 صباحًا - 11 مارس 2018
  • 6 صور
  • 4,290 مشاهدة



"لاموني اللي غاروا منّي".. "سمراء يا سمراء بروحي نفديك".. "تحت الياسمينة في الليل".. "حبي يتبدل يتجدد"، وغيرها من الأغنيات التي صاغت مفهوم التراث الغنائي التونسي المعاصر في الآذان العربية من المحيط للخليج، كلها حملت توقيع رجل واحد هو الهادي الجويني، الموهبة الاستثنائية والهامة العالية في الموسيقى العربية التي يعرفها الجميع. فهل يمكن أحد تخيّل أن حفيدة الجويني المباشرة لم تعرف أن جدها كان مغنيًا مشهورًا حتى أعوام قليلة مضت؟

حقيقة مذهلة يكشف عنها الفيلم التسجيلي "الرجل خلف الميكروفون"، من إنتاج بريطاني تونسي قطري، والذي أقيم عرضه الأول في مهرجان أمستردام "إدفا"، أكبر مهرجانات السينما التسجيلية في العالم، قبل أن يكون عرضه الأول في الشرق الأوسط خلال مهرجان دبي الأخير قبل شهور.

الفيلم الذي أخرجته كلير بلحسين، حفيدة الجويني وابنة ابنه الأكبر فريد، يكشف أن المعلومة السابقة حقيقية، وأن كلير لم تكن تعرف عن الرجل سوى إنه جدها التونسي هادي. لم تسمع أغنياته في منزل والدها بالعاصمة البريطانية لندن، لم يخبرها أحد إنه كان ولا يزال رمزًا لموسيقى بلاده؛ لتبدأ المخرجة فور معرفتها بهذه الحقيقة رحلة بحثية تسير في مسارين متوازيين: اكتشاف موسيقى الهادي الجويني وإسهامه الفني، والتفتيش عن السر وراء قرار الأب بعزل ابنته عن تاريخ جدها.

تاريخ فنان.. تاريخ وطن

الحفيدة آتية من ثقافة مختلفة كليًا، ولدت ونشأت في بريطانيا، لا تتحدث العربية أو الفرنسية، ولم تزر تونس منذ نهاية الثمانينيات لتأتي وفاة الجد عام 1990 فتغلق باب العلاقة بين والدها وأمه التي لم يراها حتى وفاتها لأسباب يكشفها الفيلم لاحقًا. هذه العين الطازجة التي يرصد الفيلم من خلالها مسيرة الهادي الجويني ساعدت في تقديمه بشكل جذاب حتى لمن لا يعرفه من الجمهور الغربي.

المدهش في سيرة الرجل المولود في حي باب الجديد بالعاصمة التونسية مطلع القرن الماضي (1909 تحديدًا) أن سيرته تكاد تُطابق سيرة بلاده التاريخية والثقافية. الجويني الذي تشبّع بموسيقى المشرق ـ المصرية تحديدًا كما يشير الفيلم ـ وانفتح على الثقافة الفرنسية والموسيقى الغربية، مع ارتباط أكيد بالموسيقى الأندلسية يلمسه كل مستمع لأغنياته، صارت رحلته هي ـ بشكلٍ أو بآخر ـ رحلة تونس، رحلة التحرر الذي تشكل وجهه قاطرتان تسيران نظريًا في اتجاهين متضادين: التمسك بالهوية وانتهاج الحداثة.

مغني يرتدي أحدث الملابس العالمية ويصفف شعره كفرانك سيناترا لكنه يقف على المسرح ممسكًا بالعود، يُدخل الجاز والفلامنكو لموسيقاه لكنه يغني بالعربية الدارجة التونسية، يدور العالم بحفلاته ويعيش حياة النجوم لكنه يبقى رجلًا شرقيًا لم يتخلص من بعض تراث الرجعية، فيجبر زوجته المغنية الموهوبة على الاعتزال، ويرفض عرضًا تلقته باحتراف التمثيل، يمنع ابنته من قبول فرصة العمر بالتمثيل في فيلم لروسوليني شخصيًا، بل ونكاد نشعر رفضه لاحتراف أولاده الموسيقى، رغم أن هذا لا يُقال صراحة في الفيلم.

الجويني نشأ وحيدًا بلا أسرة، وانتمى لجماعة "تحت السور" الثقافية ذات الميول التقدمية، وتزوج من مغنية يهودية لم يمنعه حبه لها من تركها تواجه رعب الاجتياح النازي المتوقع بينما كان يدور أوروبا في جولة موسيقية. سيرة حافلة يكشف "الرجل خلف الميكروفون" تفاصيلها المدهشة، بانفتاحها في حكي تناقضات الجويني دون التورط في إدانته أو التوقف لحظة عن حبه، تمامًا مثل علاقة كل منّا بوطنه، نعرف عيوبه ونشكي الحياة فيه لكننا لا نتوقف أبدًا عن الوقوع في غرامه، أو كما قال الشاعر صلاح جاهين في وصف وطنه مصر "وأكرهها وألعن أبوها، بعشق زيّ الداء".

رحلة داخل العائلة

إلا أن الحديث عن فيلم كلير بلحسن باعتباره فيلمًا بيوجرافيًا يتابع مسيرة الهادي الجويني فحسب، سيكون بالتأكيد تقليلًا من قدر الفيلم الذي لا يُشكّل رصد السيرة إلا بُعدًا من أبعاده، أما ما منح الفيلم صدقه وحميميته فهي تلك الرحلة التي تقطعها المخرجة داخل عائلتها، انطلاقًا من رغبتها في كشف سر القطيعة بين والدها وأشقائه، واستبعاده لوالده النجم التاريخي من حياته اليومية. الرحلة تتشعب لملاقاة أفراد العائلة في فرنسا والولايات المتحدة وتونس، فيتضح تباعًا سر الخلاف الذي دب بين الأشقاء بعد وفاة والدهم بسبب قرار ما أخذته الجدة. هنا تصل رحلة البحث إلى السؤال الأعمق غير المطروق كثيرًا في السينما العربية: ماذا يعني أن تكون فنانًا؟ وما تأثير هذا على عائلتك؟ على علاقتك بأبنائك وحياتهم وطموحهم، وعلى علاقة الأبناء ببعضهم البعض؟

عمة المخرجة عفيفة متحدثة لبقة بالفطرة، تمتلك تلك الجاذبية الخاطفة للأنظار طالما ظهرت على الشاشة ـ لا عجب أن روسوليني أرادها في أحد أفلامه. العمة تُلخص الأمر في سردها لما قاله لها والدها عندما سألته عن سر إنجابه للكثير من الأبناء، فرد بأنه يعوّض نفسه عن افتقاده للعلاقات الأسرية في طفولته، فقد أنجب أمًا وأبًا وأشقاءً قبل أن يُنجب أخيرًا ابنه الأول عادل، ويقصد هنا ابنه الخامس الذي غنّى له أغنيته الشهيرة "عادل يا عدولة"!

الجويني الفنان الحالم لم يعتبر نفسه أنجب ابنًا إلا مع ميلاد خامس طفل. قول رقيق يفسر الكثير من قراراته، لكنه يتناسى أن هناك أربعة أشخاص عاشوا حياتهم ووالدهم النجم هائل الشهرة والتأثير لم يمنحهم ضرورات الأبوة الكافية. "اكتشفت بعدما تقدمت في العمر إننا لا نملكه حصريًا، وإنه مملوك بالأساس لجمهوره قبلنا"، تعترف العمة ضمنًا بقولها هذا إنها لم تمتلك طيلة نشأتها تفسيرًا لأن والدها غائب.

هنا يصل "الرجل خلف الميكروفون" إلى جوهر الفيلم التسجيلي الحقيقي، فإذا كان البعض لا يزال يخلط بين البرنامج التلفزيوني الذي يناقش الوقائع والقضايا، وبين الفيلم التسجيلي الذي يبحث ـ مثل أي فيلم ـ عن شخصيات إنسانية تخوض رحلة ما خلاله، فإن كلير بلحسين وجدت ضالتها في رحلة العائلة، في اكتشافها عبر والدها وأعمامها مأزق امتلاك نصف أب، وربما أقل. وكيف يمكن أن تؤثر أمور كهذه على مسار حيوات كاملة، علاقات تُقطع وأزمات تُثار، فقط لأن أصحابها لم يجلسوا معًا لمناقشة جذورهم. الأمر الذي تدفعهم المخرجة لفعله فتتوج فيلمها بنهاية رقيقة تنتزع الدموع من العيون، وهو تأثير كبير عندما يرتبط بفيلم تسجيلي عن سيرة مغنٍ.

وفي النهاية

"الرجل خلف الميكروفون" فيلم يجمع بين الأهداف الثلاثة لأي فيلم تسجيلي: يُقدم المعلومة، يُفسرها ويضعها في سياقها التاريخي والاجتماعي، ويحرك المشاعر بأخذها إلى مساحة حميمية تلامس القلوب، مساحة استفادت فيها المخرجة بالطبع من صلاتها العائلية (لولاها لما كان الفيلم ممكنًا)، ومن التراث الموسيقي البديع للهادي الجويني الذي يزين الفيلم بصوته العذب، لكن الأهم هو امتلاكها زمام القرار الإخراجي الذي صنع من عملها فيلمًا كبيرًا يستحق الاحتفاء.


وصلات


تعليقات

أرسل