تراب الماس.. وانتقال المشكلة

  • نقد
  • 04:27 مساءً - 20 اغسطس 2018
  • 1 صورة



في ثالث تعاون بين الروائي "أحمد مراد" والمخرج "مروان حامد" نلتمس تغيرًا ملحوظًا ومحطة جديدة يدركها الاثنين، والمقصود هنا قدرتهما علي قولبة حبكة جيدة في سياق قصصي بشكل رزين، بإيقاع متزن، فيما يتعلق بميقات ظهور الحبكة والنطاق الزمني الذي استهلكه التمهيد لها، إلى جانب السعي قدر الإمكان في أن تدنو الحبكة من المنطقية، وسد فجواتها، والأهم تجنب التأويل العلمي لها، فمتسع التأويل والشرح والتفسير يعقد عملية التواصل أكثر، ويبعد المتفرج عن مغزى الحبكة، ويضيق المتعة التي قد تنجم من الانخراط في مواقفها ومفارقاتها.

عانى "الأصليين" من فجوات الحبكة، ومن تأخر ظهورها أيضًا، حيث عرقل الإسهاب في التقديم متعة الزفر بلحظات أكثر داخل الفكرة التي تناولها الفيلم، كما عرقل الإسهاب في الشرح (العلمي أو المنطقي) سلاسة الإنغماس فيها، ومع ذلك ظهر الفيلم بصورة جيدة بصريًا، مع شريط صوت خلاب، وشخصيات متقنة الرسم والتجسيد، وحوار جيد إلي حد لا بأس به.

أما "تراب الماس" فقد تعلم من مشكلة الفيلم السابق، حيث كانت الأولية للحبكة أولا وقبل كل شيء، إخلاص تام لتقديمها بأفضل شكل منطقي، وكما ذكرت اجتناب الشرح والتفسير، ولكن حين سد هذه المشاكل، ترك المجال لمشاكل أخرى، لم تكن موجودة في الفيلم السابق، كضعف واضح في تقديم بعض الشخصيات، وربما بنائها أيضًا، إلى جانب حوار كلاشيهيي في كثير من فصوله، مما يدفع القول إلى أن "تراب الماس" لم يقضي على مشكلة الفيلم السابق، بل نقل موضعها من بعض العناصر إلي أخرى ليس إلا.

لنتعرف علي إيجابيات الفيلم وسلبياته، يجب أن نمر سريعًا على الطريقة التي تعامل بها الفيلم مع الأزمنة الثلاث التي دارت بينها الرواية، ونتعرف كذلك على الطريقة التي اقتحم بها الحبكة، ومن ثم ننتقل إلى عناصره وأدواته في السرد والتقديم.

مبدئيًا، الفيلم أتى بأنسب افتتاحية لأحداثه، جعل الواجهة من نصيب أهم مشاهد الرواية، والتوفيق هنا ليس محصورًا في تصدير هذا المشهد في بداية الفيلم، بل أنه يكمن أيضًا في توظيف هذا المشهد داخل الأحداث؛ فالمشهد ظهر ثلاث مرات داخل الفيلم، مرة في الإستهلال كما ذكرنا، ومرة أخرى بعد التمهيد له (لأنه لم يكن أول مشاهد الرواية ووضعه في بداية الفيلم مرتبط بأهميته وليس بترتيبه)، ومرة ثالثة قرب النهاية ولكن من زاوية تصوير مختلفة (بالرغم من أنه ظهر في المرتين السابقتين كلقطة مشهدية طويلة).

الحديث هنا ينقلنا لمجهودات مروان حامد، مروان مخرج ممتاز بكل المقاييس، يمتلك رؤية فريدة وغنية في تصميم كل مشهد، بداية بتحريكه للكاميرا وللممثلين، مرورا بقدرته علي التخاطب مع المشاعر المدفونة في شخوص الكادر بدون تكلف أو سفسطة، وصولًا لوسيلته في تصدير الترقب والتوتر عند الحاجة، والعنصر الأخير بالذات له تواجد واضح في معظم أعماله، وخير المعين عليه موسيقى هشام نزيه، فهى آلية مروان - شبه الأساسية - التي يوظفها في تدفق المشاعر ورسم الحالات الشعورية، والأهم رسم التوتر، صحيح أن نغماتها أتت على مقربة من سابق أعماله لدرجة أنك قد تشعر وكأنك سمعتها من قبل، إلا أنها - وإن أن أنكرنا عليها جزء من أصليتها - لا زالت أداة مميزة ومعبرة وموفقة في التوظيف.

أما "مراد" فالأمر حياله عجيب، الحوار في روايته كان بديعًا ومتماسكًا، علي العكس تمامًا مع حال الفيلم، معظم جمل الفيلم الحوارية كانت ضعيفة، البسيط منها ساذج، والمعقد منها مفتعل. مشكلة مراد أنه إذا اهتم بعنصر أهمل أخر، لديه أفكار مميزة، وخيال خصب، وأحيانًا قدرة عالية على رسم بعض الشخصيات الغنية، ولكنه لا يجيد دمج كل هذه العناصر في صيغة بليغة، غير أنه كثيرًا ما ينهمك في سرد البيانات المعلوماتية المرتبطة بالمجالات التي تخصصت فيها شخصياته بشكل مقحم، فمثلًا نجد في "الفيل الأزرق" خلفية معلوماتية كبيرة عن عالم السحر والجن ، في "الأصليين" حاول شرح حبكته بشكل علمي فج، وفي " تراب الماس" - وأقصد هنا الرواية - قام بإقحام غزير المعلومات في مجالي السياسة و الصيدلة. والمبالغة في هذه الأمور لا قيمة لها، هي فقط محاولات سخية لإبهار المتفرج أو القاريء بثقافة الكاتب، ودراسته المستفيضة للبيانات المتعلقة بالمجال الذي سترتبط قصصه به، ونادرًا ما يكون لهذه المعلومات عائد فني صريح.

سيناريو "تراب الماس" تجنب هذه المشكلة بشكل كبير، وأعطى الأولوية للحبكة وللفكرة كما ذكرت، ولكنني ذكرت أيضًا مشكلته مع رسم الشخصيات والحوار في هذا العمل: خير المثال علي ذلك شخصية "شريف مراد" بكامل أركانها، من حيث بنائها وتقديمها وختامها، كان الحال علي أضعف مستوى، والأمر لا علاقة له بإنكار إجتهاد "إياد نصار"، أو التقليل من أداءه، ولكن المشكلة تكمن في الكتابة، نفس الحال مع شخصية سارة" واداء "منة شلبي"، وعلي النقيض أتت شخصية "وليد سلطان" - والتي قدمها ماجد الكدواني - في أعظم صورها، كتابة وتجسيدًا، ولكن طبعًا يظل "أسر ياسين" صاحب أفضل إطلالة علي الشاشة، أما الباقي فبين الجيد والجيد جدًا والممتاز.

لذا يمكننا القول أن حبكة الفيلم متقنة، مقدمة بصريًا بعناية، ولكن المشكلة في كتابة بعض الشخصيات وبعض حواراتها وتحولاتها. في النهاية نحن أمام فيلم جيد تعلم من بعض المشكلات القديمة، ولكنه عانى من أخرى جديدة.

وصلات



تعليقات