(فعالية شاهين): هل خرج "المصير" من أسوار "شاهين"؟

  • نقد
  • 07:27 مساءً - 14 سبتمبر 2018
  • 4 صور
  • 962 مشاهدة



بدأت عروض الأفلام الشاهينية المرممة بسينما زاوية في الاربعاء الموافق الثاني عشر من هذا الشهر، وهي النسخ التي عملت عليها شركة " أفلام مصر العالمية" بمعاونة السينماتيك الفرنسي، من أجل زيادة مقومات تخليد هذا التراث السينمائي الرفيع، كان العرض فائق الجودة، فغير أنه أعطى رونق أكثر سمكًا للصورة التي تشكلت من التكنيك البصري البديع الذي صنعه "شاهين"، هي أيضًا سمحت للصورة بأن تدلي ببراعة عدسة محسن نصر مدير التصوير، وأظهرت تفنن ناهد نصر الله في تصميم الازياء، وفخامة تصحيح الألوان، وكل ما يخص التكوين البصري بشكل عام.

بدأت العروض بواحد من أهم أفلام شاهين، من أكثرها شعبية، وشهرة، وقربًا للجمهور بشكل عام، حتى أنه قيل فيما قيل أن شاهين نفسه شهد بأن المصير نقطة تماس حقيقية مع الجمهور، فقد اشتهرت أعماله فيما سبق بأنها -وكما هو معروف- عسيرة على الفهم، وبعيدة عن رجل الشارع "لأنه لا يفهمها" على حد تعبير الفنانة سناء جميل مثلا، والتي أنكرت حبها لأفلامه كما أنكرت فهمها لها، ومن الملفت أن المخرج الكبير حسين كمال اتفق معها على بعد هذه الأفلام عن الشارع المصري البسيط، وعلى تعسر فهمها لدرجة أنه نفسه -بقامته الفنية الرفيعة - لا يفهمها، كان هذا رأيه الذي صرح به بكل وضوح، بعد أن اعترف أن شاهين أعظم مخرج مصري، ومن أعظم مخرجي التاريخ.

إذا فالرأي الذي يصف أفلام شاهين بالغموض كان شائعًا بين بعض الفنانين، كما كان شائعًا بين العامة، وبين حتى الذين يعترفون بقيمة شاهين ويرفعون اسمه فوق كل الأسماء. ويبدو أن هذه الأفكار تسللت إلى عوالم شاهين، فتأملها من جديد، وأعادها على مسامع فنه، نظر وراءه فظن أن هواجسه تصوره بعيدا كل البعد عن قومه، رغم قومية القضايا التي يتطرق لها، ويدافع عنها، بل يناضل من أجلها، ظن أن هواجسه تصوره وكأنه يقف وحيدًا على المسارح العالمية، أما مسارحه المحلية، فقد تهدمت كراسيها، أو هكذا فعل البسطاء عندما شاهدوا فنه، فقرر لسانه الثرثار، والسليط في الحقيقة والرأي، أن ينطق بسينما جديدة، أو شبه جديدة، تدنو أكثر من العامة، يوازن فيها بين القيمة الفنية العظيمة التي تميزت بها سينماه، وبين العومل الجذابة التي تسرق اعجاب الناس.

*هل غادر المصير أسوار شاهين *

في الحقيقة رغبة شاهين في إيجاد التوازن بين لغته التعبيرية المختلفة، وبين ماهو جذاب للمتلقي العادي، لم تكن غاية، ولا حتى وسيلة، كانت مجرد اعتبار يتخذه وهو يصنع فنه، اعتبار يعيره الاهتمام مؤخرًا، ولكن لا يعيره الفيلم نفسه، فالفيلم لازال ملكه، يخفق بين أسواره، كما يخفق القلب بين ضلوعه بالآمه وخواطره، سيرصد قضيته بالغناء والاستعراضات، وستنطلق شخصياته المعقدة والعفوية، بنفس الطور، وعلى نفس النهج، إلا أنها ستنطق بكلمات بسيطة، فصيحة في بعض الأحيان، كما هي ساذجة وسطحية في أحيان أخرى، حتى يدنو أكثر من الناس، حتي يزن المعادلة التي أرهقته كثيرًا، وقد كان أهملها ذي قبل، فصنع أفلامه بكامل الحرية والانطلاق، دون أن ينصت إلى الحاجات التجارية للسوق، ورغم أن هذا العهد السابق شهد أعظم أفلام شاهين، إلا أنه أعترف بأن أفلامه الأخيرة أفضل، وبأنها أكثر نضجًا وقربًا من المشاهد، وأنه بدأ يزن المعادلة بين ماهو مطلوب وماهو قيم فنيًا، نفس المعادلة التي أتهم يسري نصرالله بأنه خذله في تحقيقها من بعد سرقات صيفية.

الرؤية الشاهينية

الكثير أتهم شاهين بتزيف التاريخ بعد أن صنع فيلم المصير، كما أتهموه بعد صلاح الدين، وطبعًا بعد المهاجر، والحقيقة أن هذه التهمة ساذجة، فـشاهين لا يؤرخ التاريخ سينمائيًا، بل ينظر إليه فقط بعينيه، ويتأمل ثناياه، فيصور الشخصيات والأحداث التاريخية بمنظوره، وهو بهذا لا يطمح إلى إبداء رأي شخصي فيما حدث وفيمن فعل ماحدث، بقدر ما هو يطمح إلى ادراك هدف او معنى، شعور أو تساؤل، الأمساك بحقيقة فلسفية لا بحقيقة تاريخية، ولو على التغيرات، فقد نالت حتى من رباعيته الذاتية نفسها

وهذا يتضح بشتى معالمه في المصير، فكرة المصير نابعة عن شعور ذاتي، وحالة نفسية ثقيلة وعابرة، فبعد أن تم انتزاع فيلم المهاجر من دور العرض، وبعد محاولة اغتيال نجيب محفوظ بسبب "أولاد حارتنا"، يقرر شاهين أن يصنع فيلمًا عما يؤلمه حقًا، وعما يمثل مصير أسود حقيقي لكل بوادر الفكر والتنوير.

إذا المعالجة لم تكن سرد تأريخي بقدر ما هي كانت سرد تعبيري، فالغناء كان رمزًا جليلًا لحب الحياة وحب الناس، وبهذا الرمز السخي يبلغ الإنسان غاية الحق وغاية الدين، الانسانية والمحبة المطلقة، و"ابن رشد" كان الحارس الأمين بأفكاره لتلك الأغنيات التي تشدو بالحب، الرقصات التي تبجل الروح، وهذا لا يعني أن شخصية "ابن رشد" التاريخية نفسها كانت تبجل الغناء والرقص مثلًا، أو رقصت في شبابها كما قال في الفيلم، في الحقيقة من رقص كان شاهين نفسه، وكالعادة هو لايزال أسير ذاتيته الطاغية، فيضع روحه في شخوصه كلها، وهذا خير دليل على أن الفيلم ليس حكاية عن الماضي، ولكنه استحضار للحاضر في ثياب الماضي، بالترميز والاسقاط المباشر وغير المباشر، الغناء في فيلمه كان الفن العظيم، والفكر الجليل، الذي يجب على المفكرين والفقهاء حفظه وعنايته، وحمايته من بعض الناس، وحماية كل الناس به، فالتصدي به من المصير الأسود، الذي تشكل في أفيش الفيلم على هيئة سواد عظيم يكتسح الأجواء فوق العمم والجلاليب، بينما تشعل النيران المتوقدة في كتابات ابن رشد -والتي أحرقها المتطرفين- هذا السواد، وكأن هذا التطرف إذا ساد ولم يجد ما يردعه، سيكسو العالم بالسويداء، وسيكون مصدر النور الوحيد هو حريق كتب التنوير.

وهذا ما عانى منه معظم المفكرين، والذي دفع شاهين إلى صنع هذا الفيلم، كالحادثة التي كادت تودي بحياة نجيب محفوظ، وهي بالمناسبة كانت خنجر كاد يذبحه، نفس الطريقة التي أصيب "مروان" (محمد منير) بها في الفيلم، وهو أمر منطقي اذا اخذنا في الاعتبار أن خالد يوسف شارك شاهين في كتابة السيناريو، وهو كان من أكثر الناس تقديرًا لرائعة "أولاد حارتنا"، مما يقوي أكثر من فكرة أن المصير ليس فيلمًا تاريخيًا عن الماضي، بل هو استحضار للحاضر كي يربت على كتف المستقبل في ساحة من ساحات الماضي.

الربط الزمني كان حاضر أيضًا في اللغة، فاللغة عامية رغم الزمن، مما يجعل الماضي في هذا العمل ليس إلا صورة بصرية فائقة في تعبيريتها لا أكثر، لكن كل المعاني والمشاعر مستوحاة من الحاضر، ربط قوي بين كل الأزمنة، وكل الأمكنة، التي تحرق فيها اغاني الانسانية، ويسود ظلام الجهل والعدوان، فاستهلال الفيلم كان بقتل رجل من مترجمي أعمال "ابن رشد"، ونهاية الفيلم كانت بحريق كتب "ابن رشد"، لكن ابن المترجم هرب بنسخة من الكتابات في سلام بعد قتل المترجم في أول الفيلم، كما هرب ابن الحاكم بنسخة من الكتابات في سلام بعد حرق الكتب في اخر الفيلم، وهذا مالفت نظري إليه صديق بعد الحديث عن الفيلم، البداية والنهاية حلقة متصلة، طرفي بوق عذب، ينشد بأن الأغاني لازالت ممكنة، وأن الأفكار لها أجنحة، ستصل إلى كل إنسان.



تعليقات

أرسل