"ورد مسـموم".. أو طيف عابر من رائحته

  • نقد
  • 01:33 مساءً - 3 ديسمبر 2018
  • 2 صورتين
  • 2,743 مشاهدة



"إذا كان الهدف هو أن تُضحك الجمهور، أو تبكيه، أو تحمّسه، أو تخيفه، فإن أعظم ما يمكن أن يتحلى به فيلمٌ ما، هو الحس السليم في دقة اختيار الوسائل والأدوات المستخدمة للوصول إلى هذا الهدف"

- سير كارول ريد

قد تكون هذه الجملة هي أقرب شيء يمكنني التعبير به عن حالتي بعد مُشاهدة فيلم (ورد مسمـوم): هو ليس فيلمًا سيئًا إطلاقًا، لكنه أيضًا ليس بالفيلم الرائع المُبهر لبعض المشاكل، لكن ما يمكن الاتفاق عليه أنه فيلم "به شيءٌ ما" كما نقول..

الفيلم الذي حصد منذ عدة أيام ثلاث جوائز بـمهرجان القاهرة السينمائي الدولي (أفضل فيلم عربي - جائزة لجنة التحكيم للإسهام الفني - جائزة الأمم المتحدة لشئون السكان) يحكي عن علاقة من نوع خاص بين شاب وأخته، فـ"تحية" الأخت (تجسدها "مريهان مجدي") تقوم بمساعدة أخاها الأكبر في عمله بمصنع المدابغ عن طريق تقديم الطعام له يوميًا، ومحاولة إيجاد وسائل الراحة له، بينما أخاها يُصرّ على تجاهلها، وعدم تقديرها.. تركز القصة -المُقتسبة من عمل أدبي- على شخصية الأخت التي من خلالها نتعرف على الحياة في ما يشبه القرية أو الحي الصغير عديم الملامح الجغرافية، وهو مكان تملؤه المياة (مياة الصرف الصحي أظن) في كل الشوارع.

..

يمكننا القول بأن "ورد مسموم" مهمومٌ إلى حدٍ كبير بالقضية الاجتماعية، وهو فيلم يمكن استخدام مصطلح "اجتماعي" معه كثيرًا، سواءً كنا نقصد المجتمع بشكل عام، الظاهر بالفيلم بشكل قوي وحقيقي للغاية، لدرجة جعلت شخصًا يسأل صانع الفيلم في أحد الحوارات "شعرتُ أنَّك تريد في جزء من فيلمك تقديم عمل تسجيلي أكثر من روائي، أهذا ما كنتَ تقصده؟".. أو أن يكون المقصود من الاجتماع هُنا شيئًا يُمكن رؤيته في الساحة الراهنة والتواصل معه؛ وهو قضية دور المرأة بالمجتمع، ومكانها، وعلاقتها بالرجل/الذكر/الشريك، خاصةً عندما نتحدث عن المرأة العاملة التي تصرف على بيت.. "تحية" هُنا في أحد حوارات الفيلم تقول لأمّها أثناء مشادة ثلاثية الأطراف بينهما وبين الأخ: «طب إذا كنتي بتعرفي تجيبي فلوس زيي، ما تصرفي على البيت انتي؟»..

يُمكن مثلًا عمل مقارنة بين هذا الفيلم وفيلم المخرج محمد حماد العام الماضي (أخضر يابس) في كيفية معالجة كلًا من الفيلمين للدور الذي تلعبه المرأة في أسرتها، وطبيعة علاقتها بالجنس الآخر (الذكر) وكيفية تصوير هذا الـ"آخر"، حيث أنّ الفيلمان رغم اختلاف قصصهما إلا أن بهما بعض المشتركات، كنايةً عن التشابه الشديد لأجواء وإيقاع كلا الفيلمان.

فوراء كلاهما مخرجان مهمومان بالأمور والأحداث التي تحصل فعلًا في الواقع، ويحاولان رسم صورةً وترجمةً شخصية لبعض من هذه الأمور.

[...]

بالتأكيد من سيشاهد الفيلم سيراه بمنظوره الخاص والخلفية القادم منها.. هذا شيء بديهي.

لكن ربما ما يتطلب السؤال هُنا؛ ما الفرق بين أنّ يكون الفيلم متعدد القراءات في تجربة المُشاهِد الواحد، بمعنى أن الفيلم ذاته يحمل طبقات ومواضيع عدة يمكن على المُشاهِد قراءة الفيلم على أساسها (تتضح هذه الفكرة أكثر مع تجارب المُشاهدات المتتالية للفيلم الواحد، بالنسبة لشخص واحد).. وبين أن يكون الفيلم "متعدد القراءات" كأن نقول أن أي شيء متعدد القراءات، ويمكن تفسيره كذا وكذا؟.. باختصار وبطريقةٍ أخرى: ما الذي يجعل من الفيلم به رؤىً -لا تفسيرات- مختلفة؟ لأن التفسيرات لا بُدّ وأن تكون مختلفة، لكن الرؤى هُنا هو شيء يتميّز به الفيلم، ويُرغمك عليه.

الممثلة "مريهام مجدي" في إحدى لقطات العمل


ولنتجنب الثرثرة في أشياء قد لا تكون مهمة، دعونا نسلك النهج التقليدي لأي كتابة نقدية عن فيلم بذكر إيجابياته وسلبياته؛

الإيجابيــات

المكان أحد أهم الأشياء في السينما، أيُّ قصةً يوجد بها مكان، وقد يكون المكان هو أول شيء يتبادر على الذهن عند التفكير بأي فيلم..

ومن هُنا فإن "ورد مسموم" بعيدًا عن قصته أو أسلوب حكيه، لديه مكانًا مميزًا عن أي مكان آخر رآهُ كاتب هذه الكلمات في فيلم. ولعل استخدام التصوير التلقائي، الحيوي بالـ handheld camera والمتَتبّع لشخصية البطلة كطريق أساسي لنقل الحياة الدائرة في هذا المكان، كان له إفادة حقيقية على جعلنا نأخذ صورة طبيعية أو غير مُفبرَكة لهذا المكان، ونتخيّل ماذا بعد يمكن أن يدور فيه غير ما رأيناه من تصوير للحياة في أحد مصانع المدابغ.

وثاني المميزات هو شريط الصوت، لأن الصوت في هذا الفيلم لا يقل أهمية عن الصورة، بل بالعكس هو أهم منه حتى في معظم المشاهد الـ"تسجيلية"، كالمشهد الافتتاحي مثلًا. وإن كنتُ مصرًا في بدايات الفيلم على ملاحقة الصوت لأعلم أهو حقيقي فعلًا أم أُضيف بعد الانتهاء من التصوير بعدما انزعجتُ قليلًا من أن الشخصيات تتحدث من وراء ظهورها!

السلبيـــات

أما السلبيات أو المشاكل، فيمكن تلخيصها في جملة أنّ الفيلم ليس مُشبِع، ويعرض موضوعه بقليل من الاستحياء.

ويجب هُنا الإشارة أني لا أقصد حقيقة كون الفيلم قليل العناصر السينمائية أو أنه قليل المُدّة حتى (سبعون دقيقة)، وإنما ما أقصده هو أن الفيلم كان يجب التركيز فيه على أشياء بعينها -كالتحول الشبه غائب في شخصية تحية مثلًا- حتى نرتبط أكثر بما نراه، بالإضافة أن المشهد النهائي لم يكن موفق على الإطلاق برأيي.

كما أن الفيلم يبدو -لي بالتأكيد- أقل من رغبة صانعه بأن يكون ويتجسد في ذهن المتلقي حسبما قرأتُ وسمعت من تعليقات المخرج عن فيلمه، بمعنى أن ليست كل الأمور التي كان يرغب أو يفكّر بها صانع العمل أثناء التصوير، ليست كلها مترجمة بصريًا بالفيلم، هناك أشياء مبتورة ومنقوصة لا أعلم من أيـن المشكلة..

وإن كان هذا الانطباع أمرًا مُتفَهمًا وواردًا جدًا على شخص يقوم بصناعة فيلمه الروائي الأول.. فالتجريبية هنا بشكل أو بآخر تلعب دور في الموضوع.

يُمكننا الرجوع لمُقدّمة المقال وتأمّل كلمات المخرج البريطاني "كارول ريد"، فلربما أن هذه الـ وسائل والأدوات المستخدمة للوصول للهدف لم تكن في أفضل صورة لها في هذا الفيلم، بل للأفلام القادمة لـ"أحمد فوزي صالح".. فلنبقى على أمل إذًا.


وصلات


تعليقات

أرسل