ليل/ خارجي: خطوة نحو سينما حقيقية

  • نقد
  • 02:06 مساءً - 25 ديسمبر 2018
  • 1 صورة
  • 1,664 مشاهدة



مخرج شاب يعيش في المعادي وشهادته من الجامعة الأمريكية، يخطط منذ زمن لفيلمه، لكنه يذوب بين متطلبات المجال وتنازلات العمل التي تحول بينه وبين التقدم خطوة واحدة في مشروعه. وأثناء وجوده مع سائق شركة الإنتاج تضطره الأقدار للدخول في حدث خاص بفتاة قابلها السائق بالليلة الماضية. المرأة "بنت ليل" جميلة يرغبها الاثنان، فيتفقوا ثلاثتهم على قضاء ليلة ممتعة تنتهي برد المبلغ التي تظن أن السائق أخذه منها الليلة الماضية.. وتستمر الأحداث أثناء اليوم كله وتتصاعد حتى النهاية.

من الأمور اللطيفة لمحب للفن مثلي أن يجد عملًا يستطيع أن يأخذ فرصة في السينمات ليدخله الجمهور رغم أنه بعيد نسبيًا عن متطلبات صناعة السينما وتنازلات العمل الإعلامي، في عالم تستحوذ عليه الرأسمالية ومفهوم أن الأفضل ما يبيع أكثر.. يُطَمئِن كثيرًا وجود مؤمنين بأن العمل الجيد فنيًا سينجح ولو بعد حين، راهن عليها "ليل خارجي" ومن قبله يوم الدين وفوتو كوبي وعلي معزة وإبراهيم.

كعادة أحمد عبدالله، أمور تجدها في أفلامه، مثل (القاهرة) أو المدن المشهورة مزدحمة ومكدسة ومعطلة لأشكال الحياة، و(صانع الفن)، مثل فيلم عين شمس الذي اشترك فيه بالمونتاج وفيلم ميكروفون من إخراجه، و(الخطوط الدرامية) عنده دائمًا تتوزع طبقات المجتمع بين الأغنياء المرفهين والمطحونين، ويتم التلاقي بينهم في أحد أشكال المعاناة.. ورغم أن هذا يُعد تكرارًا إلا أنه شكل فني غني وأصيل يتحمل استخدامه طالما هناك إبداع في بقية العناصر.

في الفيلم نجاحان ملفتان.

الأول: تجسيد شخصية الشاب «الفيمص»، والتي قام بدورها احمد مالك، ولأول مرة تتجسد على الشاشة الكبيرة بهذا الشكل البديع فلا وجود لأشكال البؤس المصطنع لكونه في حي فقير، أو وجود شطحات إجرامية شرسة نتيجة القهر الاجتماعي، بل هو أحد أبناء هذه الفئة الذكية بنت الواقع، لديه كاميرا ويعمل مصور، ومهتم بالشكل، سشوار وألوان وخلافه، وأدمن صفحة مشهورة من صور الشباب "الفمايصة". أكثر المشاهد جمالًا التي كان بها أو منتظر قدومه، ويجب الإشارة إلى مستوى أحمد مالك الذي ينفجر كل عمل مما ينبئ بفنان كبير لو استمر على هذا النهج.

الثاني: شركة canon للكاميرات أحد رعاة الفيلم، وصُوّر العمل كله بتلك الكاميرات المعدة للتصوير الفوتوغرافي أصلا، يظهر هذا جدًا في طبيعة بؤر ال focus للمهتم بالتصوير، لأن العزل في المشاهد أشبه بالعزل في الصور الفوتوجرافية الثابتة، لكن هذا غير مهم وغير مؤثر على العمل، بل يعطي إشارة في غاية الجمال وهو إمكانية إصدار عمل روائي إبداعي طويل وينزل في دور العرض بإمكانيات تشبه ما يمتلكها عدد كبير من الناس.

*بالغ الصناع في إظهار اسم الكاميرات وإقحام الكاميرا كبطل في المشاهد الأولى في الفيلم.

من الأمور الجيدة أيضًا الموسيقى، استخدام الموسيقى التصويرية محدود جدًا، والاعتماد في أغلبه كان على أغاني معروفة ومسموعة، والاختيارات كانت لطيفة إلى حد مقبول. دخلت حوالى ١٢ أغنية بشكل يحافظ على خفة الفيلم وانتباه المشاهد، أعطى هذا بُعدًا واقعيًا وقربًا للمشاهد، ودلالة للراغبين في صناعة الفن عن إمكانية صنع فيلم بموسيقى موجودة دون الابتذال ودون إعاقة العمل لضرورة وجود مؤلف موسيقي.

أما عن المساوئ فهي:

  • الاسم "ليل خارجي" لا يحمل أي تناسق أو وقع مناسب للبيئة التي يصورها، حتى أن اللغة نفسها بعيدة تمامًا عن لغة الفيلم، "ليل خارجي" تعطي انطباع بفيلم مستقل سريالي يرصد بعض المشاعر الإنسانية المبعثرة، والفيلم جاء أجمل من هذه الأفلام وبعيدًا عن بيئتها، فالاسم غير موفق.

  • رغم لطافة حس الفكاهة لكن الكوميديا أتت من الإفيهات والردود الذكية، تُشبه تمامًا كوميديا الاسكتشات وبالتالي كانت مواقفها منعزلة عن الانتقالات والتصاعدات الدرامية في الفيلم.

  • أتت الانتقالات بصورة مفتعلة بعض الشيء، تُشبه الأكل الذي رُفع سريعًا من النار، فلم تأتي أهم الأحداث في الفيلم كحتمية أو منطقية للتي تسبقها، وهو ما يمكن تمريره بسبب حس الفيلم الساخر أصلاً.

  • منى هلا كانت مقبولة ولكني شعرت بعدم ارتياح في انفعالاتها، وكأن الصوت يسبق الصورة، ربما يرجع هذا لشخصيتها المكتوبة لا لأداء الممثلة.

  • مشاهد الفيلم الحلم للمخرج الشاب التي اقتحمت صورة فيلمنا الحقيقي لتحدث تزامن بين وقائع قصة الفيلم الحلم مع يوم المخرج كانت كثيرة بعض الشيء، ربما كان يكفي اختيار ثلاث مواضع، لأن طابع مشاهد الفيلم الحلم مأساوية حقيقية ودرامية، أما يوم المخرج فيحمل سخرية من أوله رغم ما به من تقلبات.

في الأخير ينبغي الإشارة أن الفيلم جرئ، ومفيد جدًا وجوده بالسينما المصرية، بعد زمن كانت تمثل فيه القبلة مشكلة أيًا كان موضعها أو تكييفها، لكننا نرى ببساطة الكثير من ألفاظ الشارع في مواقفها المناسبة.

ومن أهم انطباعات الفيلم إشارته بالكلية إلى أن نظام الضغط والقهر المجتمعي، من أول نظام الحكم ومطبقي القانون إلى زحمة الشوارع حتى المسيطرين على المهن الإبداعية وطريقتهم في فرض قيود على الإبداع من جهة المال، كل هذا يشكل الصخرة التي تتحطم عليها الأحلام مهما اختلفت، حلم خريج AUC أو حلم سائق تاكسي، أو فتاة ليل. ويظل الاختبار الصعب أن تحافظ على ما تبقى لك من وجودك الإنساني..

وصلات


تعليقات

أرسل