Happy As Lazzaro: حياة بريئة كالتي يعيشها لازارو

  • نقد
  • 04:47 مساءً - 11 فبراير 2019
  • 3 صور
  • 3,211 مشاهدة



عندما رسم الفنان الهولندي فان جوخ لوحته الأشهر "أكلو البطاطس" سنة 1885م، كانت تلك اللوحة تعبر بصدق عن معاناة الفلاحين رسم وجوه أشخاصها بملامح بائسة ومخيفة، ولحساسية فان جوخ المفرطة تجاه مشاعر الاخرين كانت لوحته ذات طابع كئيب وقد استخدم فيها درجات لونية مائلة الى البني والرماديات.

لم يكن هناك شئ يضيئ تلك العتمة والحزن غير المصباح المعلق في السقف المنخفض لغرفتهم الفقيرة.

أسرة مكونة من 5 افراد لا يوجد غير وجه واحد يعيش حياتهم، لكننا لا ندري ما يدور بداخله، وهو وجه الطفلة الصغيرة المتواجدة في منتصف اللوحة، وقد أخفى فان جوخ وجهها تاركًا لنا بعض الأمل فنحن نتنظر منها شيئا لن نعرفه سوى من خيالنا فقط.

ربما اللوحة ليس لها أي صلة بالفيلم، ولكن هذا ما خطر في ذهني بسبب تلك الحساسية التي تتمتع بها أيضًا مخرجة وكاتبة الفيلم أليس رورواتشر، وإن كانت عبرت عنها هنا بشكل أكثر تفائلًا وشاعرية.

أو ربما بسبب تلك المشاهد الأولية في الفيلم والتي ستجد بها مجموعة كبيرة من الفلاحين يتجمعون في غرفة ضيقة معلق على جدرانها المتسخة بعض الأواني والملابس يقف فيها أحد الشباب وهو يعلن خطبته على فتاة وأنه سيترك القرية هو وحبيبته ليعيشان في المدينة.

ففي قرية انفيولاتا الايطالية يعيش هؤلاء المزارعين في سكون وعزلة غريبة، وهم تحت رعاية الفونسينا دي لونا الملقبة بملكة التبغ، يؤدون أعمالًا روتينية في استعباد وظلم منها، لم يثوروا مطلقًا أو يفكروا أن لهم حقوقًا ليطالبوا بها، يؤدون كل شئ في سلام وخضوع، بل أنهم يخافون من الديون المتراكمة عليهم للماركيزة.

وكانت دي لونا تبرر دومًا لنفسها أن البشر يعيشون في حلقة متصلة لا تتوقف من الاستغلال، فكل البشر إذا ما أتيحت لهم الفرصة، سيستغلون الأضعف منهم. لذلك هي لا تخجل في التلاعب بعقول بعض أطفال المزارعين إذا ما تولت تعليمهم فتردد أن "المزارع المتواضع أفضل بكثير في خدمة الله عن معظم الباحثين عن المعرفة الذين يهملون انفسهم ويدرسون". لم يستطع أي منهم أن يثور، وهم دومًا لهم نظرات شاردة تعبر عن لا واع حقيقي بحياتهم التي وقعت في شباك تلك السيدة، وخاصة أن أغلب سكانها من كبار السن والنساء، ففي ذلك المشهد الذي يخبرهم زوج الماركيزة عن ديونهم الجديدة، نستمع فقط لصوت بكاء طفل كأنه رفض لا يبوح به الكبار يصاحبه انتقالات للكاميرا بين الأطفال والمزارعين العاجزين.

تلك الحالة في النصف الاول من الفيلم، حيث لا نجد أحداث قوية أو حوارات مطولة كانت ربما مقصودة، وكأن أليس رورواتشر أرادت أن توقعنا في محبة الحياة الريفية البسيطة على الرغم من المعاناة، وذلك يظهر من خلال الكادرات الرائعة للحقول والحيوانات وأصوات الرياح والمطر، تلك الاشياء التي ترغمك أن تشعر بها وتحبها، خصوصًا بسبب اقتراب الكادر من المشاهد واستخدام اللقطات القريبة بشكل مكثف. لكننا بقدر ما عرفنا عنهم سننفصل عنهم قليلًا لنتابع لازارو، فلازارو يعيش ضجيجه وعالمه الخاص داخليًا، رسمت الطبيعة من حوله ملامحه ببراءة وطفولة أبدية، فهو لا يشيخ أبدًا، فلا يوجد ما يسعي إليه أو ما يتحكم به ليعكر صفوه أو يغير من هدوئه ورقته الداخلية، مخلص دومًا للعطاء والمحبة ولا يضطر أن يعيش تكلفًا لأنه لا يعرف سوى الحقيقة ولا يقول أو يشعر إلا بها، فهكذا يعيش الطيبون جدًا. لذلك ستجد نفسك رغمًا عنك تبتسم من تلقائيته وردوده. مع زيارة الماركيزة دي لونا للقرية يتعرف ابنها تانكريدي (لوكاشيكوفاني) بلازارو وتنشأ بينهما صداقة ورفقة، يقرر تانكريدي العبث بأمه ويتفق مع لازارو على مخادعة الجميع وايهامهم بأنه تم اختطافه، وذلك بعدما يتعرف على مخبأ لازارو السري الموجود في أعلى التل، لا يكف لازارو على العناية به ولكن مع إبلاغ الشرطة عن اختفاء تانكريدي، يتغير كل شئ . يتم الكشف عن استعباد المزارعين مصادفة. الأمر الذي يؤدي إلى القبض على الماركيزة ليترك الفلاحين القرية ويهاجروا الى المدينة ربما يجدوا حياة حقيقة هناك.

في أثناء ذلك يسقط لازارو من أعلى التل ومع سقوطه ينساه الجميع معتقدين أنه مات. ولكننا سنعيش معه في أماكن أخرى في النصف الثاني من الفيلم.

جماليات الكادر:

عندما تشاهد الفيلم، ستشعر بجماليات الكادر واختيار اللقطات، فهو من تصوير هيلين لوفارت التي تعاونت مع المخرجة أيضًا في فيلمها the wonders، نجد هنا حالة انسجام وتكامل بين لقطات الطبيعة وبين حالة لازارو، فدومًا ترافقه لقطات للحيوانات والقمر الذي يظهر بأشكال مختلفة أثناء مرضه أو الضوء القوي المنبعث من أوراق الأشجار وانعكاس صورته في المياه، ولكن الفيلم احتوى على لقطة مميزة وهى Aerial shot أو Bird Eye وهى التي تم من خلالها الفصل بين جزئي الفيلم، وقد جاءت بطيئة تم فيها الدمج بين الأشجار الكثيفة والمناطق الجبلية، كأنها تترك لنا مجالًا للتأمل والتفكير فيما حدث وخاصة مع دخول لقطات تظهر فيها الارض خالية من الزارعة والمحصول، ويبدو المزارعين وكأنهم نقاط صغيرة في وسطها، وفي ذلك تعبيرًا مرئيًا قويًا بأنهم لم يعد لهم دور في تلك القرية. يرافق ذلك تعليقًا صوتيًا لحكاية الذئب الذي يهاجم الحيوانات والفلاحين لكنه لا يمس القديس ذو القلب الطاهر لنساءل أنفسنا: أين اختفي لازارو وماذا حدث له. مع الجزء الثاني من الفيلم مشاهد الطبيعة نجدها مختلفة، بها نوع من البرودة، وكأن القسوة والوحدة سترافق البطل الذي نجده ينتقل إلى زمن أخر كبرت فيه شخوص الفيلم ما عداه، يبحث أولًا عن تانكريدي الذي لم يشعر بالسعادة سوى معه، ولم يبكى إلا لأجله كأنهما روحان تكاملا ما بين التهور والطيبة الخالصة.

كذلك سنجد أن اللقطات أصبحت نوعًا ما محايدة بعكس الجزء الأول الذي اعتمد على اللقطات القريبة، كذلك يحدث تحولًا في شخصيات المزارعين الذين سيعملون في السرقة ليعيشوا. يتعرفوا على لازارو بعد سنوات عديدة ولكنهم يطالبوه بالعمل وإلا عليه أن يبتعد عنهم، فهل كان هؤلاء طيبون حقًا؟ ربما ولكن ما أرادته المخرجة أن هؤلاء كانوا ضعفاء تم منحهم الحرية ولكن لم يكن لديهم أي شيء ليعيشوا به لا وعي أو ثروة أو ممتلكات خاصة، لذلك كانت أقرب الطرق إليهم السرقة، أما لازارو فهو محب حقًا يعيش في تأملاته التي نشعر بها من خلال عيونه الواسعة وكلامه القليل، ترافقه الموسيقى في المشاهد الاخيرة بعدما يخرج من الكنيسة وكأنها ترفض أن تخرج تلك الروح الطاهرة من المكان والفيلم بشكل عام استخدم الموسيقى بشكل قليل ظهرت في بداياته من خلال استخدام البيانو، واعتمد على المؤثرات والأصوات الطبيعية كأصوات المطر والرياح بصورة أكبر، لذلك كان استخدام الموسيقى مميزًا هنا لأنه سيبكي بسبب عدم قدرته على مساعدة تانكيري الذي أصبح يعيش حالة صعبة منذ خسارة أموال العائلة. الفيلم حاز على جائزة أفضل سيناريو في مهرجان كان سنة 2018، وهو فيلم يجمع ما بين الدراما والفانتازيا.

يؤدي دور لازارو ادريانو تارديولو، وهي تجربته الاولي في التمثيل، أتذكر أنه في أحد المشاهد، أخبرته أنتونيا وهى إحدى فلاحات القرية التي سيظهر دورها بشكل أكبر في النصف الثاني من الفيلم أن هناك قديسه ماتت وتعذبت بسبب إيمانها الشديد، فهل كان لازارو يستحق أن يعذب كذلك لإيمانه بالوفاء والبراءة؟


وصلات


تعليقات