رائِقٌ كصوتِ فيروز

السينما المصريّة كانت بحاجة لفيلم مثل "سهر الليالي" ! ، ومَن عاش فِي سينمات القاهرة عام 2003 .. ومَرّ قبلها بأكثر من خَمس سنوات اقتصرت فيها السينما على نوع واحد من الأفلام ، لدرجة خاف عندها الجميع من المخاطرة بأيًّ مما يخرج عن هذا السّياق ، أيّ ممن عاش وقتها سيدرك الفارق الذي فَعله مُخرج وكاتب في فيلمهم الأول حينَ خَرجا عن المألوف وقدّما فيلماً يلتف حول الجمهور ويغيّر في توجّه المُنتجين ، ليُصبح – ضمن سنوات قليلة – واحد من أفضل الإنجازات الفنيّة للسينما المصريّة

شاهدتُ فيلم هاني خليفة في قاعة السينما مرّتين ، ومرّ الآن سبع سنوات شاهدته خلالها عشرات المرّات ، وفي كُل مرّة يزداد يقيني : قلّة من المُخرجين المصريين الذي تعاملوا مع أدواتهم بهذا التّمكُّن ، قلّة قليلة كانت تُدرك خَليط المشاعر والتفاصيل التي تُنتج فيلماً كهذا ، وقلّة أقلّ تعاملت بلغة الصّورة وشريط الصّوت والموسيقى لتجعل فنيّة الفيلم في أعلى مستوياتها

كثيرون لازالوا ينظرون إلى هذا الفيلم باعتباره فيلماً عن "المشاكل الزوجيّة" ! ، والواقع أن هذا اختزالاً حقيقيّاً ، هذا فيلم عن الذّكريَات وعن الصّحبة وعن التفاصيل ، عن الماضي الذي انتهينا منه ولم يَنتهِ منّا ، عن قَسوة الخِيانة وصعوبة المُسامحة ، عن قصص الحياة المُتداخلة وعن مصالحة النهاية التي تتم لأجل التعايش مع مَشاكل الحياة وليسَ لأن تلك المشاكل قد انتهت فعلاً

يدور الفيلم في ثلاث ليالِ تتكثّف فيها حَياة ثمانيَة أصدقاء ، ثلاثة زيجَات وعلاقة عاطفيّة ، وعَبر تفاصيل بسيطة مُتراكمة تَنفجر على السطح – في ليلةٍ واحدة وبمونتاج متوازي بَديع – مَشاكل في تلك العلاقات كُلًّ منها يُعبّر عن خلل حقيقي وضَغط نفسي يَمرّ به كُل منهم ، لم يبدأ عند تِلكَ الليلة وإنما تراكم عَبرَ سنوات كَيّ يصطدم بالآخر في تلكَ اللحظة فَيَفتَح عنده أيضاً باب الجروح التي لَم تندمِل

بعد 40 دقيقة من الفيلم تَحدُث لحظة المُكاشفة والاصطدام ، وأحد أكثر الأشياء التي أُقدرها أنك عند الوصول لتلك اللحظة ستكون على معرفة أكثر من جيّدة بكافة الشخصيّات وماضيها ، المَشاكل الجنسيّة التي تَعرقل حياة من المفترض أن تكون ناجحة بين "مُشيرة/جيهان فاضل" و"عَلي/خالد أبو النجا" ، أو الخيانة التي لم تَعُد تتحمّلها "بيري/منى زكي" رغم حبّها لـ"خالد/فتحي عبد الوهاب" ، رغبة "إيناس/عُلا غانم" في الاستقرار في مقابل خوف "سامح/شريف مُنير" من الاختيار ، والماضي الذي لَم يَستطع "فرح وعمرو/حنان تُرك وأحمد حلمي" نسيانه ، التفاصيل الصغيرة تلعب دورها في ذلك .. بإيماءه أو جُملة حوار أو طبيعة شخصيّات ، ومُنذُ لحظة التترات الأولى على موسيقى الرّائع دوماً هشام نزيه - وهي بالمُناسبة واحدة من أذكى وأجمل التترات - يُؤسس هاني خليفة للشخصيّات عبر الصّور الفوتغرافيّة التي تجمعهم طوال سنوات ، وهو تأسيس يتجاوز الوصول إلى "النتيجة" ليبحث أحياناً عن سببها دونَ أن يقوله ، كطبيعة "علي ابن الناس الكويّسين" التي تؤدي لمشاكل زوجته الجنسيّة .. أو "دَلَع" فرح وخلفيّتها الاجتماعية .. أو احتواء دَمّ خالد على "كُوَر بيضا وحَمرا ونِسوان" .. أو طبيعة سامح الطفوليّة وخوفه من أن يُخنَق في الالتزام بعلاقة،ويظلّ خلفية يبني المُشترك بين المُشاهِد والشخصيات ويقرّبه أكثر منها حتى مَشهد عيد الميلاد .. والتوتّر المَكتوم - بالتفاصيل مرّة أخرى ! - بين الثمانيَة الذي يُمَهّد للكريشندو المُتصاعد الذي حَدث بعد ذلك في عَشر دقائق عَظيمة

في العشر دقائق التاليَة تُصارح الشخصيّات بعضها بما خَفي لسنوات ، دقائق بطلها الأول - إلى جانب حوار تامر حبيب - هو المونتير خالد مرعي ، الذي يصنع توازي بين ثلاث أحداث/"خناقات" تحدُث في نفس الوقت ، مُحافظاً على إيقاع مُتصاعد بثبات يُشعِر المُشاهِد أنهم في الحقيقة "حدث/"خناقة" واحدة دونَ تقسيم ، هاني خليفة كان يُدرك مقدار الذروة التي يحملها الفيلم في تلك اللحظة ، لذلك يُنهي التتابع بلقطة تُعبّر عن "مخرج قدير" فعلاً .. حيثُ يرتفع مقدار الغضب والتوتر إلى أعلى مراحله وينتهي بصرخة فصيرة من "مُشيرة" وهيَ تَكسر زُهرية .. الصرخة/التكسير/ صوت قدمها على الزجاج - استمع فقط لشريط الصوت في هذا المشهد ! - ثُم صمت تام لثواني كي يلتقط المُشاهد أنفاسه بعد كل ما حدث

بعد ذلك يُقرّر الأصدقاء الأربعة الذهاب إلى الإسكندرية "زيّ أيّام زمان" ، وهي فترة النّصف الثاني من الفيلم التي يُتيح فيها هاني خليفة لشخصيّاته أن تُراجع حساباتها وتُفكر من جديد في حياتها والقرارات التي يجب أن تأخُذها ، وهيَ فترة "مُعايشة" حقيقيّة من المُشاهد للشخصيّات التي صار يعرفها جيّداً عبر النّصف الأول ، وكأننا قد ذهبنا معهم في رحلة الإسكندريّة تِلك ، لنعود في نفس العَربة ولكن دون صوت فَيروز .. الصّمت أثقل وإدراك كافة الشخصيّات لنفسها وأزماتها أكبر

في تَتابع النهاية ، لا يحاول خليفة وتامر حبيب إصلاح الأزمات ، أو الوَعْد بأن الأمور في أفضل حال ، هم فقط يدركون أن شخصيّاتهم ستتعايش وستحاول التّصالح مع مشاكلها دون انتظار انتهاءها ، وهو ما يتم التأكيد عليه بمشهد النهاية - شديد الذكاء - : خالد يُمسك بيد بيري ولكنه يَنظر لفتاة أخرى بجانبه ، مُشيرة ترتدي العُقد الذي أعطاه لها وائل ، فرح تُبالغ في تدليل عمرو حين يَمُرّ علي بجانبهم ، إيناس تُشير بالسلام لرجل الأعمال "حامد المهدي" مؤكدة على استمرار العمل بينهم، كافة الشخصيّات لم تتجاوز شيء والنهاية لَيست سعيدة ولا تعد بما لا يحدُث ، النهاية رائقة كصوتِ فيروز فيها .. لشخصيات تحاول أن تتصالح بالمَحَبّة خلال دقائق الأغنيّة ولكنها ستصطدم من جديد حتى لو لَم نرَ نحنُ ذلك

ظلّ الفيلم حبيساً للأدراج لمدة قاربت العام خوفاً من عدم تحقيقه للإيرادات وبحجة أن "مزاج الجمهور" قد يرفضه ، إلا أنه حقق أكثر من عشرة ملايين جنية عند عرضه ، وفتح الباب لسينما مُختلفة عن السّائد ، وجعل الجميع يُدركون أن الفن الجيّد قادر على فرض نفسه على الجمهور ليتجرأ المُنتجون بعد ذلك على إنناج فيلماً كـ"أحلى الأوقات" أو طَرح آخر مُنتهى منه كـ"بحب السيما" ، ومن ناحية أخرى فاز الفيلم بالكثير من الجوائز لمخرجه ومُؤلّفه وأبطاله الثمانيَة ، ورغم مشاكلي الشخصيّة مع أداء حنان تُرك في بعض المشاهد إلاّ أن بقية الطاقم أدُّوا ربّما الدور الأهم في مسيرتهم ، وبخاصة جيهان فاضل وشريف مُنير ومُنى زكي ، وبنهاية العام وصل الفيلم للتصفية الثانية في سباق الأوسكار ضمن عشرون فيلماً وهي أقرب نقطة وصل إليها فيلم مصري حتى الآن ، وبعد سَبع سنوات اعتبره النُّقاد واحد من أفضل عَشر أفلام خلال العقد

وبالنسبة لكاتب هذا المقال : فلو تجاوزنا فيلم "باب الشمس" ليسري نصر الله ، فـ"سهر اللّيالي" هو أفضل فيلم مصري خلال الألفيّة

نقد آخر لفيلم سهر الليالي

عنوان النقد اسم المستخدم هل النقد مفيد؟ تاريخ النشر
رائِقٌ كصوتِ فيروز Mohamed Elmasry Mohamed Elmasry 2/2 22 نوفمبر 2010