الموسيقار........ هرم الموسيقى المصري

  • مقال
  • 05:20 مساءً - 13 مارس 2012
  • 2 صورتين



صورة 1 / 2:
الموسيقار
صورة 2 / 2:
الهرم

هناك قول مأثور يقول "الإنسان الناجح هو الذى يغلق فمه قبل أن يغلق الناس آذانهم ويفتح أذنيه قبل أن يفتح الناس أفواههم"، وهو ما طبقه الموسيقار محمد عبدالوهاب كثيراً خلال حياته الفنية الطويلة، حيث غنى وأطرب جمهوره ووصل إلى القمة، وحين لمح بعبقريته الفنية، تغير دفة الذوق الفني، وخروج نجوم جديدة لتستقر في مدار الصدارة، فضل أن يغلق فمه عن الغناء، ويتفرغ للتلحين، مساعداً تلك النجوم على التوهج أكثر فأكثر، لذلك استعان بالنصف الأخر من المقولة ففتح أذنيه ليلتقط نغماته السحرية من داخل قلوب الناس قبل أن يفتحوا أفواههم.
أتذكر أول مرة شعرت فيها بالإنبهار من محمد عبدالوهاب، حين لحن صوت القطار في أغنية "ياوابور قوللي رايح على فين"، وأدهشني طفلاً أن أسمع قطار يلعب موسيقى بنغماته المتنافرة، بعدها دخلت عالم الموسيقار الواسع، وتعلمت معنى الطرب.
عبدالوهاب الذي استقى بداياته بكتّاب جامع سيدى الشعرانى بناءً على رغبة والده الذي أراده أن يلتحق بالأزهر ليخلفه بعد ذلك في وظيفته، فحفظ عدة أجزاء من القرآن قبل أن يهمل تعليمه ويتعلق بالغناء والطرب حيث شغف بالاستماع إلى شيوخ الغناء في ذلك العصر مثل الشيخ سلامة حجازى، وعبد الحي حلمي، وصالح عبد الحي، حتى التقى بأمير الشعراء أحمد شوقي الذي بمجرد سماعه لعبدالوهاب قام متوجهاً إلى حكمدار القاهرة الإنجليزى آنذاك ليطالبه بمنع محمد عبدالوهاب من الغناء بسبب صغر سنه، ونظراً لعدم وجود قانون يمنع الغناء أًخذ تعهد على الفرقة بعدم عمل عبد الوهاب معهم.
قبل أن يلتقيه مرة أخرى في عام 1924، حين أُقيم حفل بأحد كازينوهات الإسكندرية أحياه محمد عبد الوهاب وحضره رجال الدولة والعديد من المشاهير منهم أحمد شوقي الذي طلب لقاء عبدالوهاب بعد انتهاء الحفل، ولم ينس عبد الوهاب مافعله به أحمد شوقي بمنعه من الغناء وهو صغير وذكّر أحمد شوقي بذلك الذي أكد له أنه فعل ذلك خوفاً على صحته وهو طفل، ومنذ تلك المقابلة تبناه أحمد شوقي، وتعتبر السبع سنوات التي قضاها عبد الوهاب مع أحمد شوقي من أهم مراحل حياته حيث اعتبر أحمد شوقي مثله الأعلى والأب الروحي له الذي علمه الكثير من الأشياء فكان أحمد شوقي يتدخل في تفاصيل حياة عبد الوهاب وعلمه طريقة الكلام وكيفية الأكل والشراب وأحضر له مدرسًا لتعليمه اللغة الفرنسية لغة الطبقات الراقية، وبدأ نجم محمد عبدالوهاب يبزغ حيث قدمه أحمد شوقي في كل الحفلات التي كان يذهب إليها وقدمه إلى رجال الصحافة مثل طه حسين، وعباس محمود العقاد، والمازنى، وكذلك رجال السياسة مثل أحمد ماهر باشا، وسعد زغلول، ومحمود فهمي النقراشي.
كذلك التقى عبدالوهاب بالموسقار سيد درويش الذي أُعجب بصوته وعرض عليه العمل مقابل 15 جنيهًا في الشهر في فرقته الغنائية، وعمل في روايتي البروكة وشهرزاد، وبالرغم من فشل فرقة سيد درويش إلا أن عبد الوهاب لم يفارق سيد درويش بل ظل ملازماً له يستمع لغنائه ويردد ألحانه حتى وفاة سيد درويش.
محمد عبدالوهاب، رجلاً يشبه الهرم، كون أضلاعه من علاقة أبوية مع رجلاً في حجم أمير الشعراء أحمد شوقي، فتعلم الدنيا واصولها وقواعدها، زاد من ثقافته ليتحول من موهوب إلى فنان، والتقى سيد درويش عبقري الموسيقى المصرية، فتعلم الثورة وتعلم كيف تخلق الموسيقى ولا تنتحل، وتعلم صغيراً القرآن ليكمل أضلاع هرمه الخاص، ليبقى عبدالوهاب هرم مصر الموسيقى بلا منازع.



تعليقات