الفيلم التونسي في مهرجان كان: "ولدي".. بين النضج والتعثر

  • نقد
  • 11:23 مساءً - 16 مايو 2018
  • 3 صور
  • 4,407 مشاهدة



قبل عامين خرج المخرج التونسي محمد بن عطية بفيلمه الرائع "نحبك هادي" ليفاجئ الجميع في مهرجان برلين، حاصدًا جائزتي العمل الأول والتمثيل، بفيلم اختار صاحبه الاختلاف عن السائد في السينما العربية عبر الجمع بين أفكار شديدة العمومية وحكايات بالغة الخصوصية، حكاية الشاب الذي عاش قرابة الثلاثة عقود مستجيبًا لما يمليه عليه المجتمع حتى قابل الحب والحياة فتغير كل شيء، حكاية صارت ـ على خصوصيتها وانخفاض محكّها الدرامي ـ ميكروكوزم أو نموذجًا مصغرًا للمجتمع العربي بما فيه من سلطة مهيمنة على الروح الشابة تحت مسميات عديدة.

بن عطية لم ينتظر طويلًا حتى ينجز فيلمه الثاني، ليشارك في مهرجان كان للمرة الأولى بعرض جديده "ولدي" في تظاهرة نصف شهر المخرجين، القسم الذي طالما ساهم في صعود أسماء صار أصحابها من أساتذة السينما العالمية. جديد بن عطية قوبل باستقبال إيجابي عمومًا من الحضور والصحافة الدولية، لكن ما يهمنا حقًا هو تقييم الخطوة في مسيرة مخرج واعد، لو وضعنا قائمة بصناع الأفلام الذين ننتظر منهم الكثير سيكون بالتأكيد من أوائل المدرجين فيها.

الإمساك بالأسلوب السردي

يثبت بن عطية في "ولدي" أن الأسلوب الذي انتهجه في فيلمه الأول لم يكن مصادفة، فعمله الجديد يأتي ملتزمًا بالنموذج نفسه: الاقتصاد الشديد في تقديم المعلومات، الابتعاد عن الحوارات المباشرة التي تناقش موضوع الفيلم، مجافاة الميلودرامية حتى عندما يكون من الممكن استغلال الحدث الدرامي في ذلك. ليبقى حجم وتأثير كل حدث في الحكاية مماثلًا لحجمه في الواقع: ضربات متتالية تقوّض حياة أسرة كاملة تدريجيًا، لكنه تقويض يأتي متصاعدًا، صامتًا، دون شكوى أو مشاهد مواجهة من النوع الذي اعتدنا مشاهدته، فعندما يتألم الإنسان في الواقع ـ خاصة لو كان رجلًا ـ فقدر الصمت يتناسب طرديًا مع قدر الألم. الأبوة ـ والذكورة ـ هنا موضوع رئيسي للفيلم، فإذا كان "نحبك هادي" فيلمًا عن تكون ابنًا في العالم العربي، فإن "ولدي" هو فيلم عن أن تكون أبًا في هذا العصر. لاحظ هنا استخدام الضمائر في العنوانين: هادي ابن المجتمع كله، يريده الجميع هادئًا لا يثور ولا يتمرد، أما سامي فهو ولد أبيه فقط، قد يتعاطف البعض مع حكايته أو يتظاهرون بالتعاطف، لكن الألم الفعلي يهيمن على حياة الوالد الذي لا يعرف ما الخطأ الذي اقترفه كي يخسر ابنه على مراحل كل منها أكثر وجعًا من سابقتها.

رياض (محمد ظريف بأداء رصين هو الأبرز في الفيلم) أب مثالي بكل ما تحمل الكلمة من معان، يُكرس جل وقته لدعم وحيده سامي كي يتجاوز أزمته الصحية غير المبررة ونوبات الصداع والغثيان التي تنتابه. ورغم أن أغلب من حوله ـ بمن فيهم الأم ـ يرونها أمورًا طبيعية مع ضغط الاستعداد لامتحانات البكالوريا، إلا أن سامي لا يبخل بالجهد والمال والاهتمام، ويبذل حرفيًا كل ما في وسعه كي يشعر الابن بالأمان. وعندما يغضب من عدم اكتراث الابن ويُقسم على ألا يوّصله مرة أخرى، يقطع المخرج مباشرة على لقطة لهما في السيارة مجددًا، في تعبير بليغ عن هذا الحب غير المشروط، دون تصريح أو مونولوجات مطوّلة.

الألم الممتد والانفراج الغائب

المؤلم حقًا، سواء لرياض أو لنا، أن كل هذه الجهود بلا طائل، وضع الابن يزيد سوءًا حتى يفاجئ أهله في ليلة ويرحل من المنزل ومعه كل أغراضه تاركًا رسالة بأنه سافر إلى سوريا، يظنون في البداية إنها مجرد خدعة قبل أن تتضح صحتها. المؤلم حقًا إن الأب ـ سواء قبل الرحيل أو بعده ـ لا يملك أكثر من أن يحب ولده ويدعمه، دون ضمانات بأن يعني هذا الاهتمام شيئًا للولد، وهو في حالتنا لن يعني بالفعل أي شيء. هنا تكمن أكبر مشكلات التلقي في "ولدي"، أن مخرجه اختار أنه يجعله فيلمًا انقباضيًا، متوترًا من اللحظة الأولى للأخيرة، تتصاعد حدة مأزق الأب وشعوره الدائم بالعجز دون أن تحيد عن ذلك أو تمنحنا ولو بادرة أمل أو لحظة إيجابية لالتقاط الأنفاس أو الـrelief حسب المصطلح الدرامي.

هذا قرار بن عطية الواعي بالطبع الذي لا نراجعه فيه ولكن نناقش تأثيره على التجربة الفيلمية. ففيلم "نحبك هادي" لا يمكن أن نصفه بالبهجة رغم انتهائه نهاية إيجابية، لكنه امتلك على مدار زمنه عددًا من لحظات البهجة التي يعيشها البطل رغم مأزقه، بما يحرك شحنة المشاعر بين السلبي والإيجابي خالقًا تفاعلًا بين الجمهور وما يشاهده.

في "ولدي" لا مجال للشحنات الإيجابية، الجمهور يغرق مع رياض في مشكلته التي لا حل لها، أو لا يغرق. فعندما يكون الرهان الوحيد هو التعاطف مع هذا الأب المتفان والمتألم، يعني هذا تلقائيًا خسارة شريحة من المشاهدين لا تشاهد الأفلام من أجل الشفقة، أو لم تجد في الابن ما يستحق التعاطف من الأساس. رياض هو أبوه، وتفانيه من أجله قد يكون منطقيًا، لكن بالنسبة للبعض قد لا تحمل شخصية الابن ما يدعو للتعاطف معها، لا سيما بعد قرار الرحيل لسوريا.

لذلك فمن الصعب أن نتوقع لـ "ولدي" نجاحًا جماهيريًا كالذي حققه "نحبك هادي" سواء في تونس أو خارجها، فهو فيلم اختار صانعه بإرادته الحرة أن يكون موجهًا لجمهور أقل، وهو حقه، وأن تحمل تجربة المشاهدة قدرًا أقل من التفاعل والمتعة، وهو أيضًا حقه، لكنني شخصيًا لا أحبذ تجريد السينما من المتعة وتحويلها فنًا ذهنيًا بهذا القدر.

تشابهات منطقية وأزمات تستحق

عنوانان حديثان لفيلمين تونسيين يقفزان للذهن فورًا مع بدء النصف الثاني من "ولدي"، فبعد النصف الأول الأصيل كليًا يتقارب الفيلم في تيمة نصفه الثاني مع "بنزين" لسارة عبيدي فيما يتعلق بتأثير الغياب المفاجئ للابن الوحيد على كيان الأسرة وعلاقة الأب والأم، ومع "زهرة حلب" لرضا الباهي في قضية تسلل الشباب التونسي للجهاد في سوريا (يُقال إنها الدولة الأكثر تصديرًا للمجاهدين حاليًا، ولا نملك تأكيدًا لهذا الزعم). التقارب في التيمات أمر منطقي، فعندما تعاني دولة من أن قطاعًا من شبابها يهرب إما شرقًا للاستشهاد أو شمالًا للهجرة، فمن الطبيعي أن يظهر الأثر في أفلام صناعها. والأزمة تستحق بالفعل ثلاثين فيلمًا وليس ثلاثة فقط. لكن ما نشير إليه هنا هو النضج الكبير في تعامل بن عطية مع فكرة الهجرة من ناحية، والتعثر الذي قابله في التعبير عن بعض آثارها من ناحية أخرى.

"ولدي" يقدم الفتى المهاجر بصورة تبدو أقرب لما نشاهده في حياتنا اليومية: شاب حائر مشتت فكريًا ونفسيًا وجسديًا، يريد أن "يصير مهمًا حتى لو كلفه هذا حياته" كما يُقال في أحد المشاهد. لا يمنح الفيلم قيمة كبيرة للفتى ولا لما فعله، فلا هو فعل بطولة ولا تمرد ولا خسرت تونس الكثير برحيل ولو ألف من طالبي الجهاد. هذا نضج مشهود في التعامل مع فعل لطالما أوجد صناع السينما ـ بحسن نيّة ربما ـ أسبابًا تبرره لمن يقوم به.

ثلاث شخصيات.. تفاعل وحيد

على الجانب الآخر تبدو رحلة الأب لتركيا بحثًا عن ابنه أكثر مناطق الفيلم تعثرًا. صحيح هي رحلة يائسة يقدم عليها الرجل دون تصوّر لما سيفعله هناك (بما يُذكرنا برغبة الأم سندس بلحسن في عبور المتوسط بحثًا عن ابنها في "بنزين")، لكن الرحلة تسفر عن لقاءات يبدو وكأن رياض ذهب خصيصًا من أجلها، خاصة حواره مع الأب السوري الذي يمكن اعتباره أول مشهد في سينما بن عطية يعبر عن الفكرة بهذا الوضوح اللفظي. نفس الشيء فيما يتعلق بموقف الأسرة بعد الرحيل، وتحديدًا بموقف الأم التي تبدو من اللحظة الأولى أكثر برودًا في مواجهة ما يتعرض له الابن. نظريًا، هذا خيار جيد دراميًا بالخروج عن التوقعات والابتعاد بالمرأة عن صورة الأم المكلومة النائحة (نموذج سندس بلحسن) وصورة الام المغامرة الدون كيشوتيه (نموذج هند صبري).

إلا إن الخيار الجيد نظريًا يتعارض مع المنطق السردي المتقشف في تقديم المعلومات. لا نعرف حتى المعلومات الأساسية عن الأم حتى يمكننا أن نتفهم موقفها من حالة وحيدها ثم رحيله. وإذا كان من الجيد في الدراما الحديثة أن تُترك فراغات ليملأها المشاهد بالاستنتاج والاستنباط، فنص بن عطية ترك مساحات خالية أكثر مما ينبغي لدرجة إعاقة تفهم موقف الأم، وإذا أضفنا ما قلناه عن الابن، فإن الفيلم يقدم لنا شخصيات ثلاث، ثم يحرمنا من التفاعل مع اثنين منها، ملقيًا الحمل بأكمله على شخصية الأب وحكايتها فحسب.

قارن هذا مجددًا بفيلم المخرج السابق، وبطله الرئيسي هو هادي بالطبع، لكننا نتفهم شخصيات ريم والأم والأخ على ظهور الأخيرين المحدود نسبيًا. الأمر يتعلق بتقديم القدر الكافي من المعلومات، دون الوقوع في فخ الثرثرة أو التعثر في إثارة الاهتمام. وهو الأمر الذي يمكن أن نرجع إليه ـ مع انعدام لحظات التقاط الأنفاس ـ اعتبار "ولدي" خطوتين متزامنتين في مسيرة محمد بن عطية: خطوة يأخذها للأمام، وأخرى يأخذها للخلف.



تعليقات

أرسل