5 عناصر تجعل فيلم "موعد علي العشاء " واحد من أعظم إنتاجات السينما

  • نقد
  • 05:28 مساءً - 26 يوليو 2018
  • 5 صور
  • 7,384 مشاهدة



قدم محمد خان في مسيرته أطيافًا مختلفة من الشخصيات النسائية، تتبع الصراعات التي تبدد هناء المرأة أو تطمس طموحات الحياة البسيطة في عيونها . نساء "خان" طموحات كما هن كادحات، ولكن أحلامهن هادئة متواضعة. وفي (موعد علي العشاء) يصور لنا "خان" حياة من تلك الحيوات المنكسرة التي تفتش عن أحلامها البسيطة في دروب الكادحين!

تحفة سينمائية أخرى تزين جدار السينما المصرية العتيق. إليكم 5 عناصر تجعل فيلم (موعد علي العشاء) واحد من أعظم إنتاجات السينما علي الإطلاق..

1- سلاسة السرد:

تبدأ أحداث الفيلم بلقطات تصوير العروسين "نوال" و "عزت" (سعاد حسني وحسين فهمي) ، حيث نرى شواهد عدم الرضا في ملامح "نوال" تتواري خلف ابتسامة مصطنعة تلفق بها وجهًا سعيدًا أمام عدسة المصور.

ثم سرعان ما يحبسنا محمد خان بعض الوقت داخل إطار تلك الصورة في غفوة شاعرية تظللها أنغام كمال بكير التي تتحرك علي أصابع البيانو.. فصل تأملي بسيط يدفع المشاهد أكثر إلي قلب الحكاية، قبل أن يعبر به إلي الخارج لنري الشقة العصرية التي تقبض صورة الزفاف علي أحد جدرانها!

ثم ننتقل إلي السرير.. ومن بعده الطاولة، لكننا لا ننتقل إلي الخارج (الشارع) إلا عندما تقرر "نوال" الخروج إلي الشرفة والنظر إلي الشارع. بذلك يمكننا أن نجزم أن السرد في فيلمنا مقيد بحركة "نوال" وتواجدها في الأماكن.

حتي أننا لا نرى أي استعراض للماضي (بالفلاش باك) ولا نري أخاها الذي تراسله.. نحن فقط نطوف مع "نوال" في حكايتها!

2- الاستعراض الرزين لخلفيات الشخصيات:

ينتقل المنظور السردي بحرفية مع "نوال"، والحوار يتناثر في كل الأرجاء مع تدفق الأحداث داخل العالم. والبديع هنا أيضًا أن فضاءات العالم لا تنكشف بدون داعي، فالسيناريو الذي كتبه "خان" مع بشير الديك يحافظ علي سلامة الحوار وواقعيته، فلا نري مثلًا شخصية تحكي كل شيء عنها بدون دافع أو سبب حقيقي كما نرى في معظم الأفلام التي يتكاسل كتاب السيناريو فيها عن ابتكار نقاط منطقية يمكن أن تنطلق منها الذكريات أو المعلومات أو يمكن من خلالها التعرف على شخصية معينة أو اكتشاف جانب معين في شخصية أخرى أو حتي التعرف علي صراع بعينه. فيلجأ هؤلاء إلي حقن الحوار ببعض المعلومات أو حشر أي أحداث فرعية في الخط القصصي الرئيسي في طور ساذج ومفتعل إلى أقصي حد، سعيًا منهم إلى تحقيق إكتمال ملموس في بناء العالم أمام المشاهد (مده بالمعلومات رغمًا عن الأحداث).

هذا ما تجنبه "خان" وهو يصنع فيلمه، أو في الحقيقة وهو يصنع معظم أفلامه ؛ فالحوار دائمًا في مرحلة عالية من النضج والواقعية، يختلس النظر إلى الماضي أحيانًا ليمدنا بخلفيات قصصية مرجوة تؤهلنا إلي متابعة العالم والتواصل مع الشخصيات وصراعاتها، ولكن اختلاسه هذا متحفظ ورزين كما ذكرنا.. يؤمن للحوار سلامته وعفويته، فيحافظ بذلك علي قوام الفيلم الواقعي.

3- بحث جديد في ماهية المشاعر:

تقديم شخصية "شكري" (أحمد زكي) من أعظم إنجازات الفيلم. "شكري" ظهر مرتين بشكل مهمش في حياة "نوال" قبل أن يقتحم عالمها ويتوغل فيه بشكل سريع.

وفي المرتين كانت مشاعر "نوال" تعاني من التصدع. حيرة وألم من قبله.. تحولوا إلي خوف وكفاح من بعده، ولازال عذابها مستمر، ولكن هذا لا ينكر أنها انتشلت بعض السعادة من حياتها الأخيرة مع والدتها قبل ان ترحل عن العالم، وانتشلت أيضًا جزء أخر من تلك السعادة إبان حياتها مع "شكري" قبل أن يرحل هو الأخر.. تصدعت المشاعر، وتبدلت.. كلها ألم علي ضفافه بعض السعادة، ولكن شكل الألم فقط هو من يتغير.. هل يظن الإنسان أنه ظفر بالسعادة إذا تغير فقط شكل ألمه؟.. فكرة جديرة بالتأمل.

4 - التكوين البصري:

من الملحوظ أن (الأزرق) و(البني) هما اللونان الغالبان علي صورة الفيلم، عدسة محسن نصر اعتادت أن تؤرخ بهم لحظات الفيلم المتشنجة، الخوف الذي يكسو الليل بالأزرق والعزم الذي يسكب الكفاح في تمويجات البني؛ فقد تعودنا من (البني) أن يكون مثلًا لون الأحذية التي تحرس أقدام الكادحين المتشققة. والخوف والكفاح كانا يناضلا في صراع "نوال" و"شكري"!

هذا ما قد ترويه عدسة الكاميرا، أما حركتها فهي لا تقل في تحفظها عن حال السيناريو! كاميرا خان متمهلة وواثقة كما أن زواياها عملية وغنية. وأحيانًا تخاطب المشاهد بأن تفصح عن نوايا الشخصيات كما حدث في مشهد حديث "نوال" مع "عزت" في الهاتف، حيث دارت الكاميرا بشكل دائري مبتدئة من عند "نوال".. ثم عائدة إليها من جديد، تلتف الكاميرا حول نفسها كما تلتف "نوال" حول "عزت".. (بتلف وتدور عليه!) بالتعبير العامي.

5- الهوامش القصصية:

وسط كل الاصوات التي تتعارك على شراء الماديات في المزاد وجدت "نوال" قطعة روحانية تباع!

لوحة ذكرتها بنفسها أو بالأحرى تمنت أن تكون بداخلها تسير في طريق أخره حلم جميل -علي حد تعبيرها- لا تمسه الحيرة كتلك التي تمسها عندما تنوء بأفكارها وحيدة!

بكل تأكيد هناك عناصر أخرى، وبكل تأكيد مهما إمتد بنا الحديث، لن نبلغ القدر المستحق لفيلم كهذا، بيد أن الفيلم تمسك بحقيقة كونه واقعي، وأضاف بأن يكون أحد تلك الأفلام التي تنبثق أفكارها بالرمز والمدلول دون أن يؤرق حقيقته تلك، مما يجعل من الهالة الشعورية التي تغلف قصته حالة تستدعي التأمل والتعايش.


الأكثر مشاهدة


تعليقات