"It's Such a Beautiful Day": فيلم رسومي من كوكَب آخر!

  • نقد
  • 06:18 مساءً - 14 اغسطس 2018
  • 1 صورة



لا أعلم كيف يمكن الكتابة عن هذا الفيلم، حقًا لا أملك أدنى فكرة عن كيفية الكِتابة والتعبير بالكلمات عن هذا الفيلم!، إنه واحدٌ من هذه اﻷفلام القليلة التي تُرى ولا تُروى.

في مُفتتح الفيلم نجد هذا الموقف الذي لا يُخطئنا أنه مجرد "موقفٌ واحد" من بين مئات المواقف اﻷخرى التي سُتقدّم بذات الطريقة على طول الفيلم الذي تبلغ مدته ٦۲ دقيقة، ربما طريقة اﻹلقاء السريعة لها علاقة بذلك (استغرق المشهد كله ۳۹ ثانيةً)، إليكُم المشهد الافتتاحي الذي يسرده علينا صوتٍ أمريكي:

«في طريقه إلى موقف الحافلة "بيل" رأى شخصًا مألوفًا يسير نحوهُ، لكن لم يسعه تذكّر اسمه. بدأ بالتفكير في أمورٍ سيقولها عندما يصبحان قريبين كفاية لتمييز بعضهُما البعض. كلما اقتربا أكثر، أعيُنهم كانت مغلقة، غير متيقّنين إن كان أحدهما سيتوقف للتحدُّث مع اﻵخر. الشخص قام بإلقاء التحيّة على بيل، بينما بيل قام بخلط عِبارات: "ما اﻷمر؟" بـ"كيف الحال؟".. مُحتارًا.. الشخص قال بدون تفكير "شكرًا" قبل أن يعلم ما كان يقوله. الكلمات حُصِرت في حنجرة بيل، وقام بالرد بـ"يا للهول!". قاما بالتفاف محرج، ثم استمرا بالمُضيّ واثقين أن لا أحد منهُما سيتوقف للحديث. لم يُقابلا بعضهُما البعض مجددًا على اﻹطلاق، وبعدها بيومٍ كلاهما نَسيِا اﻷمر برُمّته!»

مُشابهات تقريبيّة..

لتقريب الصورة أكثر، الفيلم أشبه بأنّك تسمع طِفلٌ لا يتعدى عمره الخمسُ سنوات، يقصُ عليك مواقف وروايات جادة للغاية، لكنّك بشكلٍ ما، لا تستطيع إمناع نفسك من الضحك على أحاديثه بسبب مُبالغته في هذه الجديّة (المنطقية تمامًا بالنسبة له). هذا الفكرة ليست موجودة في محتوى قصة الفيلم ذاته فحسب، بل بطريقة عرضها أيضًا بفضل صوتٍ عجيبٍ لراوٍ يبدو حقًا أنه ما زال طفلًا من طريقة إلقائه ووصفه للمشاهد باستخدام التعبيرات الكلامية وتنغيمُه الصوتي.

اﻷمر يبدو بالفعل كما أن (شخص) ظلّ طوال مسيرته الحياتية يُسجّل تفاصيل أيامه بلا هوادة، وقرر أن يصنع منها فيلمًا!

اﻷمر يبدو أيضًا كما لو كنت مستلقيًا على أريكَتِكَ الوثيرة، تُسجّل أفكارك الذهبية اﻵتية لمُخيّلتِك الجامحة، أثناء تناولك للمخدّرات!!.. ما يجعل الموضوع مُناسب للغاية بأن يوصَف كما لو كان "سهرة تعاطي ممنوعات" سُجّلت تفاصيلها ونُكاتِها واحدةً واحدة، وعوِلجت بشكل درامي مقبول لتأخذ شكل فيلم أنيميشن!.. أفكر اﻵن في المشهد اﻷيقوني لـمحمود عبد العزيز في مقدمة فيلم "الكيت كات"!

أين تكمُن كل تلك العبقرية؟

برأيي الشخصي أن الفيلم الرسومي، باﻷصل، نقطة قوته وتميُّز نوعه هي أن له قدرة فضائية غير محدودة على طرح اﻷفكار ومُناقشة مختلف المواضيع، وفيلمُنا هذا يُطبِّق هذه القاعدة بحذافيرها؛ أمامك ساعةً من اﻷفكار التي لا تنضُب من مُخيّلة صاحِبها، هي أفكار مُدهشة ﻷنه تم التعبير عنها في الشكل الكارتوني الذي استطاع التحليق فوقِها والتنقُّل بين أحداثها بما أننا نتحدّث عن "فيلم" لا "شريط تسجيلي"!

إذا سألك شخصٌ عن ماذا تدور قصة الفيلم، من المستحيل أن تُعطيه خط قصصي واحد لما تشمله الحبكة، ﻷن حبكة الفيلم وإن كانت موجودة (متمثلة في هاجس "بيل" الدائم من الخوف من الموت على مدار كامل حياته..) فهي ليست، لا أعلم كيف أوصفها.. ليست موجودة فعلًا، إلى أن تمّر بنقطة انتصاف الفيلم. تشعر كما لو أن الحبكة ليست ضمن حِسابات المخرج ﻷنها كانت لتُعيق البراح الفضائي الذي تسبح فيه أفكاره المُبعثرة، فهي تتبلور في الفصول الختامية فقط، ربما ﻹضفاء "نهايةً ما" لهذه الحِكاية التي لا يُعرَف لها مُسمّى!.. ذات اﻷمر ينطبق على فيلمٌ مثل رائعة تارانتينو (Pulp Fiction)، جرّب وقُل ما هي قصته؟!

المعنى في بطن الشاعر

المقولة الشهيرة أن المعنى في بطن الشاعر، فلا تسأل عن المعنى؛ ﻷنّك لن تجده، ﻷن صاحب العمل الفني ذاته لا يعلمه، ﻷنها مسألة انطباعية يحكُمها اللاوعي أكثر من الوعي. تشعر هُنا في هذا الفيلم، أن المخرج قد بَروَز هذه المقولة في غرفة عمله، وأخذ يلفُظ كل ما في رأسه على الورق وعلى شاشة الحاسوب إلى أن انتهى العمل بالشكل الذي وصَلَنا!

تمكُّن المخرج من التعبير بأدواته ساعده كثيرًا على عرض تلك اﻷفكار المجنونة برأسه، فقد استخدم ألاعيب مونتاچيّة وبِضع الحركات الذكية بالكاميرا لخلق معاني للتشويش والاضطراب الحاصل في فَلَك "بيل"، كما أنه اهتم كثيرًا بخلق موود عام للفيلم (الذي يحكُمه صوت الراوي الذي يقص علينا حكاية بيل) عن طريق التماهي مع الصورة والتعاطف -أو التواصل على اﻷقل- مع "بيل". مثلًا هُناك مشهد موسيقي يستمرّ لقُرابة الدقيقة الكاملة ﻹعطائك شعور اﻹيهام أن ما يحدُث هو ما يشعُر به الشخصية، ولدفعُك للتماهي قليلًا معها.

نقطة من النِقاط التي تكوّن لهذا الفيلم شخصيته هي (تنقُّلاته اللاتمهيديّة) بين المواقف -الفوضويّة بشدة أصلًا-، فمثلًا.. مشهد خاطف من الخمسُ دقائق اﻷولى من الفيلم يسرده الراوي كاﻵتي: "بيل جلس وقرأ مُقابلة مع شخصية مشهورة، ثم راقب النمل وهو يزحَف نحو مغسلته...". ما راودني في هذه اللقطة السريعة أن هُناك شخصًا "لا يريد إغفال شيءٍ" هُنا، يريد سرد كلّ ما حصل، شخص لا يهتم إذا كان لهذه النقطة أهمية فعلية على حبكة الفيلم أم لا، بل يريد إقحام ووضع كل شيء وتنحي الحبكة جانبًا أيضًا إذا أمكن.

وللغرابة، الفيلم مُقسّم لثلاثة فصول منفصلة، وهو اﻷمر الغريب قليلًا ﻷنك تشعر بذلك أن التنظيم والترتيب من خواصه، لكنّ العكس هو الصحيح. لاحقًا، علمتُ أن سبب هذه الحركة أن المخرج قد قدّم ثلاث أفلام قصيرة قبل صناعته لهذا الفيلم (واحدٌ منهم يحمل ذات عنوان هذا الفيلم)، وتقريبًا فقد أدمج ثلاثتهم في بعضٍ دون تغييرات كثيرة عليهم، فظهروا بهذا الشكل؛ مُفكّكين عن بعض قصصيًا، لكن مرتبطين سرديًا.

في أحد مشاهد فيلم البريطاني ريتشارد ايواد (Submarine)، تقول شخصيته البَطَلة: "أحيانًا، أُمني النفس بأن يكون هُناك طاقم تصويري فيلمي يتتبّع خطواتي..". أحيانًا يُفكر المرء من شدة بؤس وكئابة حياته -ودراميّتها المُفرِطة- أنها تستحق أن تُصنع فيلم، سيُحطّم شبابيك التذاكر على اﻷرجح!.. المقولة تُقال غالبًا بنبرة ساخرة حيث يكون الشخص قد اكتفى من صعاب حياته، وقد طفح الكيل بالنسبة له. هذا بالظبط ما أرادُه المخرج "دون هرتزفيل" في فيلمه؛ تتبُّع حياته الشخصية ونقلها على الشاشة بطريقة تلصُّصيّة (جادة التقديم، هيستيريّة التأثير) وكأنه يمشي وراء ظله ويُسجل التفاصيل هُنا وهناك.

الفيلم مُقدّم بشكل جاد للغاية، وهذا ما يجعله مضحك أكثر: الكومدييا الحاصلة هُنا -وإن شعرت بخفوتِها الكبير في المُشاهدة الثانية- تحدث من قلب المأساة، من قلب القصة العاطفية والتي ربما تكون "شخصية" لصانع العمل.

"إنه ليومٌ جميل" يُعبّر عن حياة اﻷطفال ذوي الخيال الجامح، وآلية التعايش والتعامل مع المواقف الحياتية اليومية لهم، فهو "طفولي" بامتياز حقيقةً.

بعد انتهاء المُشاهدة، قُلت في نفسي 'يا ليتني شاهدُت هذا الفيلم قبل أن أتجاوز العاشرة'، كان ليُغيّر حياتي فعلًا حينها..

وصلات



تعليقات