فيلم «يوم الدين 2018».. تحديات استصلاح أرض سينمائية جديدة

  • نقد
  • 11:01 مساءً - 28 سبتمبر 2018
  • 1 صورة
  • 1,586 مشاهدة



في مكان معزول عن الحياة الطبيعية يعيش «بشاي» في محيط مستعمرة الجذام بعد أن كان أحد ساكنيها أيام انتشار الوباء، يعمل في تفقد القمامة مع حماره. تموت زوجته إثر إصابتها بمرض عقلي منذ فترة بعد احتجازها بالمستشفى، وفي أعقاب الدفن والعزاء يفاجئ بسيارة من قنا تنزل منها سيدة تسأل عنه ليوصلها لقبر زوجته وابنتها التي تعتذر أمامها أنها لم تزرها طيلة هذه المدة إلا بعد أن ماتت.. فينشأ سؤال في رأس «بشاي»، بعد 30 عام من اعتياد الأيام، لِمَ لمْ يأت أبوه كما وعده؟ ويقرر الذهاب إلى أهله في قنا جنوب مصر، لأنه أراد أن يُذكر ويُعلم بوجوده، خاصة أنه لم ينجب بسبب المرض على عكس بقية النزلاء السابقين.

التحدي الأول: راضي جمال (بشاي) إنسان وليس مريضًا

أصر المخرج والكاتب أبو بكر شوقي على تقديم «راضي» على أنه بطل فيلم، حالة إنسانية لها صراعاتها وعقدتها الدرامية التي تؤثر في المشاهد من خلالها وليس من خلال الإشفاق لكونه مريضًا، في الحقيقة إنه لم يعد، فهو صاحب تاريخ للجذام إلا أنه سليم معافى ولا يشكل خطرًا، إنما مجرد الندبات والتشوهات التي لا علاج لها.

تحدي صعب جدًا وأرى أنه نجح فيه بشكل مذهل، فـ «بشاي» إنسان يبحث عن أصله وفي سبيل ذلك يواجه المصاعب، في أثناء الفيلم أركز تمامًا على غايته والفجوة بينها وبين صدمات الواقع، فلا وجود لمشاهد استعطاف مسرفة أو مقحمة (إلا مشهدًا واحدًا)، فلم يكن هناك استحلابًا للعواطف وسيلان الشعور المزيف مثل أفلام أخرى محلية أو عالمية.

التحدي الثاني: لوم المحيطين مع عدم الشيطنة

هو التحدى الأبرز في رأيي، وهو ما أعطى للعمل بعدًا أعمق، فالأسهل أن يتم إبراز ملائكية البطل ومظلوميته من خلال وحشية المحيطين "الطبيعيين" الذين لا يفوتون موقفًا إلا ويؤذونه لأنه منبوذ.

لم يكن هذا ما حدث، بل جاء التعبير عن التناقض الإنساني في صورة جيدة، الأطباء والمسئولين في المستعمرة يعاملونه معاملة الدولة كمجموعة أوراق، إلا أن سلوكهم لا يخلو من إحساس، زملاؤه أبناء المستعمرة يحبونه ويعلمونه إلا أنهم يسخرون منه بضحك كما يسخرون من بعضهم. وأهم تجسيد لتلك الثنائية البشرية كانت في موقف لقاء الأب بالنهاية الذي أعطى تبريرًا صادقًا وقاسيًا بدلاً من إمكانية استهلاك مشاهد الرفض المبدأي ثم النهاية السعيدة الرومانسية أو الرفض الدائم والنهاية المأساوية العبثية. بهذا العرض العبقري للنهاية أزال المسئولية من على كاهل أحدهم لإظهار كفاح الآخر، بل رسخ أن القضية قضية حياة الاختيارات المصيرية فيها أكبر من الصواب والخطأ أو المثالية والشيطنة، وخدم هذا جدًا جوهر القيمة التي أشار إليها في العنوان «يوم الدين».

ومما أكد على نظرتي أن هذا المشهد هو ما انفجرت فيه إحدى المشاهدات قربي بالبكاء، حيث أصابتها الحقيقة التي يحدثنا عنها العمل.

التحدي الثالث: تصنيف الفيلم

هذا العمل سيفتح أرضًا سينمائية جديدة، فمن الأبطال وتاريخ المخرج تتوقع أن يكون العمل وثائقيًا، ففي العمل الوثائقي الأشخاص حقيقيون مع بعد الإضافات الدرامية لبلورة القصة لكنها لا تخرج عن كونها واقعية، بينما العمل جسد أشخاص حقيقيون في إطار درامي خيالي قصصي من البداية، حتى أن هناك بعدًا كوميديًا لـ «بشاي» ظهر أثره في ضحكات الجمهور المتكررة، فالعمل مبدع إخراج عمل خيالي درامي لعموم البشر ببطل اساسي صاحب تاريخ مرضي، أمر صعب جدًا جدًا لم أره من قبل، وقد جاوز فيه العمل حد المقبول بمسافة.


حمل الفيلم إشارات جميلة ذات دلالة، أهمها العلاقة القوية بين بشاي وبين حربي (الحمار) وأوباما (الطفل اليتيم) وأصحابه أبناء بيئته الأولى في المستعمرة، هم من يستطيعون رؤيته بينما الطبيعيين ومؤسسات الدولة (كالشرطة) لا تشعر بوجوده أصلاً، فلفتني كون الحمار جزءً أصيلاً في حياته حتى بعد دمار عربته الكارو لم يركب الحمار أبدًا لأنه كان متعبًا، كما أنه جعل ضريبة رحلة البحث موت أحد الأقربين من العناء وهو الحمار. وبالرغم من اللفتات الطيبة التي سأكف الحديث عنها حتى تشاهدها بعينيك أولاً، إلا أنه كان هناك بعض الإخفاقات أو المساوئ.

-الخلط على المشاهد في مسار الرحلة الكلي، يبدو من الحديث الأولي أن مكان المستعمرة بالقاهرة، ثم مشهد فلاش باك لحظة ترك الأب للابن المصاب يظهر أنه في البحيرة، والمعبر عنه أن المستعمرة في وجه بحري عامة والرحلة من الشمال إلى الجنوب. هذا امر يصلح للمشاهد الأجنبي لكن لابن البيئة المصرية (مثلي) الأمر مربك.

-التصوير في أماكن مألوفة للنظر، فمثلًا تم التصوير في مدينة «بنها – قليوبية» على أنها سوهاج وكذلك الأمر في أكثر من مكان، الامر مربك أيضًا لمن يألف تلك الأماكن على الحقيقة.

-تضمين الحوار الكثير من الكليشيهات بلا روح؛ لإظهار المعاناة أو التعبير عن المعنى بلفظه الواضح، أراه أمرًا فجًا ويراهن على غباء المشاهد إلا أنه سيكون مناسبًا للفئات الجاهلة عن تلك المشاهد في الواقع، وممتازة للأجنبي بشكل عام.

-ذكر جملة «البيروقراطية المصرية الجميلة» على لسان أحد المتسولين أصحاب الإعاقات الجسدية في إطار كوميدي ساخر، وهي سخرية لا تخرج إلا من مستوى ثقافي معين ولا تؤثر كذلك إلا فيه، فكان حتمًا أن يتم التقديم لتلك الخصلة في الشخصية التي قالتها. بينما جاء الأمر بصورة مقحمة إلا انه أثار ضحك المشاهدين لعلمهم بالكلمة.

بشكل عام كل الزلات البسيطة مقبولة، خاصة لعلمنا أن الإنتاج كان شخصيًا من زوجة المخرج، وبالطبع محدود للغاية، بالإضافة أنه أول الأعمال الروائية الطويلة للمخرج وكذلك للأبطال الرئيسين، فهي تجربة مستقلة نحكم عليها بمقاييس الاحترافية العالمية وتصمد في جوانب عدة، فالاحترام واجب.

ولا يمكن أن نختم قبل أن نشير إلى المستوى المبهر لطريقة التصوير من حيث مستوى اللقطة وحركة الكاميرا بصورة تقحمك في المشهد، إلا أن مكونات الكادر كانت فقيرة وهذا مفهوم الآن بعد الفقرة الماضية. «يوم الدين» تجربة سينمائية أصيلة تحمل كثير من صفات العالمية، أنصح المهتمين بمشاهدتها والإسهام في إنجاحها. وسيأتي زمان تعلمون فيه أن العمل كان على مستوى من الرقي لا يتناسب مع البيئة التي نشأ منها، ومن مثله سيكون الانطلاق إلى فهم أفضل للحياة..

وصلات


تعليقات

أرسل