عيار ناري... ما هو الحق الذي يريدنا الفيلم أن ننتصر له بتجاهل الحقيقة؟

  • نقد
  • 03:46 مساءً - 9 اكتوبر 2018
  • 5 صور
  • 9,087 مشاهدة



الأفلام التي تعتمد على جريمة أو لغز، يتابع السيناريو تفاصيله حتى يصل به إلى نقطة الحل، يحتاج إلى دقة ومهارة وتفاصيل غير خادعة، لأن المشاهد في مثل تلك النوعية من الأفلام يستهويه أن يراجع تفاصيل الفيلم ليختبر هل هى منطقية، وهل هناك ثغرات أغفلها السيناريست، وهل تتفق النهاية مع ماتم طرحه!

فيلم عياري ناري، للمخرج الشاب كريم الشناوي، يحول الكثير من المعلومات المنقوصة او الخادعة، أو فلنقل المضللة، التي لا تستقيم إطلاقا مع السياق الذي حاول صناع الفيلم إقناعنا بأهميته، بداية اختار السيناريست هيثم دبور "سلوجان " فخيم عظيم، وهو أن الحق فوق الحقيقة! أى أننا أحيانا ما نجد أنفسنا مضطرين لتجاهل الحقيقة من أجل إعلاء الحق! مثل جملة الأطباء الشهيرة في أفلامنا القديمة "ضحينا بالجنين عشان الأم تعيش" وهذا هدف لا غبار عليه، ولكن ماهو الحق الذي يدعونا الفيلم أن نتجاهل الحقيقة من أجل إعلائه؟؟

على ضوء ما شاهدنا فنحن في النهاية أمام حكاية شاب "صايع" علاء أبو زيد يلعب دوره أحمد مالك، يعيش في بيئة شعبية في شقة مع والدته "عارفة عبدالرسول"، وشقيقه الأكبر خالد "محمد ممدوح" يعمل في المحاجر بمعنى أنه يقضي أوقات طويلة خارج المنزل، يتورط الشاب في علاقه مع فتاة من الحي "أسماء أبو اليزيد" فتحمل منه، وحتى يداري كونه صايع ومنفلت وماجن، ويكون التصرف الوحيد الذي يفكر فيه علاء "أحمد مالك" أن يذهب لأمه يتشاجر معها ويحاول أن يجبرها على أن توقع له على عقد بيع المنزل الذي تمتلكه! ولكنها ترفض حتى لا تضيع حق الشقيق الأكبر "محمد ممدوح" ولكن الشاب لا يتوقف عن الشجار ويتحول إلى العنف فيجذب أمه ويتشابك معها ويطرحها أرضا، ويجذبها من شعرها "يسحلها" تدافع الأم عن نفسها فتخرج مسدساً ؟؟ لا تعرف من أين أتت بالمسدس ولا أين ذهب بعد ذلك، والمهم أن الشقيق الغائب معظم الوقت يحضر في تلك اللحظة بالذات ويجد شقيقه الأصغر مشتبك مع أمه يحاول أن يفض الاشتباك، ويتبادل مع شقيقه بعض الهجمات بالأيدي، وهنا تنطلق رصاصة من المسدس الذي لا نعرف كيف حصلت عليه الأم ولا أين اختفى، ويسقط الفتى قتيلا مضرجا بدمائه أمام أمه وشقيقه الأكبر!!

أولا: في أي عمل فني أو روائي فإن آداة الجريمة لابد وأن تكون مناسبة للبيئة التي يتحرك فيها الأبطال، فالأم التي قدمها الفيلم والتيى تمسك بالسكين طوال الوقت كان من الممكن أن تدافع عن نفسها باستخدام السكين أو أي آلة من آلات المطبخ، ولكن استخدام السكين كان سيفسد الخطة التي سوف يسير عليها السيناريو فيما بعد! فاستخدمت مسدس لا نعرف هل كانت تخفيه بين طيات ملابسها؟ هل ذهبت دون أن ندري لتحضره من درج أو مكان كانت تخفيه؟ رغم أننا لم نشاهدها تفعل ذلك وكان عفريت خفي ناولها إياه.

ثانيا: هل الأم والشقيق الأكبر "محمد ممدوح" ممكن أن يفكران في لحظه سقوط الابن قتيلا، في كيف يحولان هذا القتيل الماجن إلى شهيد من شهداء الاشتباكات بين الثوار ورجال الأمن في منطقه لا ظوغلى؟ هذا تفكير عقلية إجرامية جهنمية، لا تتفق مطلقا مع طبيعة الشخصيات كما قدمها الفيلم، فالأم تهرع إلى أحد أصدقاء ابنها الذي يسكن بعيدا عن المنطقة لتخبره أن ابنها "علاء" سقط قتيلا في المظاهرات، وعليه أن يساعدها في نقله للمشرحه؟

ثالثا: هل الأمور تتم بهذه الطريقة، وهى المشرحة ناقصة قتلى حتى تستقبل جثه بدون أوراق رسمية وتحويل من الشرطة والنيابة؟؟ وهل الصديق الذي لجأت اليه الأم تمكن من دس جثة علاء وسط مجموعة من جثث الشهداء التي تم تحويلها للمشرحة في نفس الوقت؟

رابعا: كيف تم نقل جثة الشاب القتيل "علاء " أحمد مالك، من شقة الأم وهو مضرج بدمائه إلى المشرحة؟ هل تم استخدام توك توك، ميكروباص؟ سيارة خاصة؟؟ أم ماذا؟

خامسا: كيف تواطأ كل أهل الحي لتنفيذ تلك المسرحية الهزلية ليتم إقناع الحكومة بأن هذا الشاب الماجن الذي قتل برصاصة انطلقت اثناء شجار عائلي إلى شهيد، يستحق شقة ورحلة عمرة ﻷمه ؟

سادسا: ألم يكن الأكثر منطقية الاعتراف بحقيقة ما حدث واعتبار الموضوع قتل خطأ؟ ونظرا لشيوع الجريمة بين الأم والشقيق الأكبر قد تكون العقوبة بسيطة للغاية بدلا من كل هذا التلاعب والخداع والغش.

سابعا: أما وأن الأسرة المكونة من الأم والشقيق الأكبر قررا إخفاء الحقيقة للحصول على بعض المكاسب المادية، بالإضافه لحل مشكلة علاقة الابن القتيل بالفتاة الحامل، بتزويجها إلى محمد ممدوح قبل مرور شهر على مقتل الابن، يبقى نحن أمام عائلة من المشوهين نفسيا وخلقيا، لا يقل جرمهم عن جريمة الابن القتيل!

ثامنا: تذهب جثة الشاب القتيل إلى المشرحة، لا يهتم الطبيب الألمعي "ياسين المناسترلي" أحمد الفيشاوي سوى بتحديد أن الوفاة حدثت بطلق ناري من مسافة قريبة جدا، ولكن ألم يلحظ أن بالجثة كدمات مثلا،نتيجه الشجار والتشابك العنيف مع الأم التي لابد وأن تكون قد دافعت عن نفسها، بدفع الابن عنها، ثم محاولات الشقيق الأكبر محمد ممدوح وهو باسم الله ما شاء الله قوي البنية بالنسبه لأحمد مالك، وأكيد اشتابكه بالأيدي معه ترك بعض الكدمات على جسمه! طيب ألم يفحص طبيب التشريح أظافر الجثة، ليكتشف بالضرروة أن هناك بقايا شعر نتيجة جذبه لأمه من شعرها؟ هل كانت جثة الابن نظيفه تماما من آثار أى شجار أو اشتباك؟

تاسعا: جاء تقرير التشريح أن علاء أبو زيد مات نتيجة إصابته بطلق ناري من مكان قريب جدا، وهذا يضعنا أمام احتمالات أن يكون ضمن المتظاهرين، بعض البلطجية الذين اطلقت عليهم السلطات الطرف الثالث، ألم يكن هذا افضل من تزوير التقرير ليبدو وكأنه قتل برصاص القناصة، مما يلقي بمسؤولية مقتل الشهداء برضاص الداخلية؟

عاشرا: كيف لجهة رسمية وهى مصلحة الطب الشرعي أن تتآمر لاتهام الداخلية بقتل الثوار؟ وهى التي زورت التقارير لإلقاء مسؤولية مقتلهم إلى طرف مجهول غير معلوم اطلقت عليه الطرف الثالث.

أخيرا:إيه بقى الحق اللي الفيلم عايزنا ندافع عنه باغفال حقيقة أن الشاب القتيل مستهتر وماجن ومارق وعاق؟ وإيه هو الحق؟ حماية الأسرة اللي كلها ما يعلم بيهم إلا ربنا وممكن اعتبارهم مجرمين بشكل أو أخر؟ حماية الفتاة الحامل؟ هل قصتها تحتمل أن يغير الدكتور ياسين المناسترلي شهادته ويخالف ضميره الإنساني والمهني؟ هل حماية سمعة شاب صايع تحتاج لتآمر كل أهل الحي بتزوير شهادتهم حتى يتحول قتيلهم إلى شهيد؟

لقد بذل الفيلم جهداً خارقاً، في محاوله اقناع المشاهد بتجاهل كل تلك الثغرات، تماماً كما في حكاية "على بابا والأربعين حرامي" التي عشنا سنين طويلة نعتقد أنه رجل طيب وغلبان، مع إنه حرامي قراري سرق ذهب وياقوت ومرجان، بتاع عصابة حرامية، سارقاها بدورها من ناس تانية! والله يرحمه "أحمد رجب" هو اللي فتح عيونا لأن على بابا مش راجل طيب ده حرامي فاسد وذلك في فيلم محاكمة على بابا، وعلى هذا فالجملة الفخيمة التي وضعها فيلم عيار ناري سلوجان له، وهو إغفال الحقيقة من أجل الحق محاولة لتغييب ما تبقى من عقل ووجدان المشاهد، وكإننا زي دكتور أفلامنا القديمة ضحينا بالجنين والأم والأب عشان شخص غير معلوم يعيش!

ولا يشفع لأخطاء فيلم عيار ناري حرفة المخرج الشاب كريم الشناوي، التي ظهرت في عده مشاهد، متفرقه فالمخرج مهمته الأولى تدارك عيوب وثغرات السيناريو، كما لا يشفع له تصوير عبدالسلام موسى ولا موسيقى أمين بو حافة، وأزياء ناهد نصر الله، فكل تلك العناصر الفنية البديعة لا تنقذ سيناريو ملىء بالثغرات، والثقوب المنطقية، ولكن هذا لا يمنع الأداء المتميز جدا لأحمد الفيشاوى ومحمد ممدوح وأحمد كمال.



تعليقات

أرسل