أباطرة الإخراج في السينما الأمريكية (1) : مارتن سكورسيزي – الجزء الثاني

  • مقال
  • 02:17 مساءً - 15 نوفمبر 2012
  • 3 صور



صورة 1 / 3:
سكورسيزي
صورة 2 / 3:
سكورسيزي مع بطليه المفضلين دي كابريو ودي نيرو
صورة 3 / 3:
في لوكيشين تصوير أخر أفلامه هوجو

نستكمل مسيرة الأسطورة الحية مارتن سكورسيزي وقد توقفنا في بداية التسعينات وفيلمه المميز Goodfellas. في العام التالي 1991 يقدم لنا سكورسيزي تعاونه السابع مع الزعيم دي نيرو ويقدمان فيلم Cape Fear. الفيلم أثار ضجة جديدة بتوجهه العنيف وشخصية البطل المثيرة للجدل وما بها من عنف ومشاكل نفسية! البطل ماكس كادي يظهر بملامح عنيفة وأوشام تغطي جسده (تم وشم دي نيرو بالفعل لكن بأصباغ نباتية تزول بعد فترة!) وحتى بأسنانه البشعة والمقززة (دي نيرو دفع خمسة ألاف دولار لطبيب أسنان متخصص لتشويه أسنانه بهذه الطريقة وبعد الفيلم أصلحها بعشرين ألف!!) هذه الشخصية وحبكة الفيلم سمحتا لسكورسيزي بتقديم اقترابات تقنية ومنهجيات إخراجية جديدة ومختلفة شبهها البعض في هذا الفيلم بتناولات هيتشكوك ذاتها! ترشيحين للأوسكار أحدهما لدي نيرو والآخر للنجمة جولييت لويس.

في العام 1993 يقدم لنا The Age of Innocence من بطولة دانيال داي لويس ويفاجئنا مجدداً بتقديم قصة رومانسية ودراما نيويوركية من القرن التاسع عشر ليثبت مجدداً أنه مخرج مليئ بالمفاجأت. الفيلم يحصد 5 ترشيحات للأوسكار (منها ترشيح سكورسيزي الثاني في مجال السيناريو) ويفوز منها بواحدة عن تصميم الازياء. طبعاً هذا التحول من العنف إلى الرومانسية كان صادماً للجميع فتلقفه النقاد والمحللين بالتصفيق والمباركة بينما استقبله الجمهور بصيحات الاستهجان والسقوط في شباك التذاكر!

حسناً تريدون عنف وإجرام؟ إليكم ما أستطيع تقديمه وتحبونه.. هكذا يعود سكورسيزي لعباءته التي يفضلها الجمهور ويقدم في 1995 فيلمه المميز Casino. تعاون ثامن مع دي نيرو وجديد مع القصير جو بيتشي ولأول مرة مع الجميلة دائماً شارون ستون (ترشحت لأوسكار عن دورها في هذا الفيلم) . حسنا شاهد هذين الفيلمين الأخيرين واكتشف معي لؤم المخرج العظيم حيث يعود لتقديم نفس تيمة شخصية البطل وأزمته الشخصية مجدداً! دي لويس قدمها في إطار من الدراما الرومانسية بينما يقدمها دي نيرو في إطار من الدراما العنيفة الممتلئة بالدماء (ربما من أكثر أفلام العصابات عنفاً) !! في الدورين البطل الحقيقي هو المايسترو سكورسيزي!! دي نيرو وبيتشي وتناول تطور العلاقة أوجد نوع من التشابه مع الأيقونة Goodfellas مما أغضب بعض النقاد. لكن فليذهبوا للجحيم فقد أعجب الفيلم محبي سكورسيزي كما راهن الرجل. (ملحوظة: المرأة العجوز أم جو بيتشي في Goodfellas تعود لتلعب أم أحد أفراد المافيا هنا.. هذه العجوز أم سكورسيزي شخصياً!!)

في نفس العام يقدم لنا سكورسيزي فيلم وثائقي يمكنني أن أخبركم بكل ثقة أنه فيلم يجب على كل مهتم بتاريخ السينما أن يشاهده!! الفيلم هو A Personal Journey with Martin Scorsese Through American Movies وكطول العنوان يطول الفيلم لحدود الأربع ساعات يقدم فيها سكورسيزي عرض مميز للسينما وأعمالها من فترة الأفلام الصامتة وحتى العام 1969 أي قبل إخراجه لأي فيلم! الرجل يحترم أنه صار جزء من اللعبة وفقد حق التعليق على أعماله أو أعمال قرنائه.

في العام 1997 يقدم لنا Kundun وهو الفيلم المتميز والذي يحكي قصة حياة الدالي لاما الحالي تينزن غياتسو. بسبب الفيلم وضع إسم سكورسيزي وعدد من المشاركين في الفيلم في قائمة الممنوعين من دخول التيبت بشكل دائم! (الفيلم تم تصويره في المغرب) يذكر أن أغلب الممثلين في الفيلم وكلهم غير محترفين هم أقارب ومن أسرة غياتسو في الحقيقة! الفيلم يحصد أربع ترشيحات للأوسكار. بعدها في العام 1999 يقدم لنا Bringing Out the Dead وهو فيلم "غريب" لحد كبير .. ما أقصده هنا هو أن الفيلم يتناول قصته وبطله وما يقابله من أوهام لإخفاقاته وتخوفاته في إطار يقترب للفانتازيا والسريالية لحد قد يصيب البعض بالملل لكنه يعد من أذكى الأفلام التي شاهدتها. والغريب أنه رغم إعجابي للفيلم لكني لا أفضل رؤيته مجدداً لطابعه الثقيل في التقديم أو الرؤية.

في العام 2002 يعود سكورسيزي لممارسة خدعه اللئيمة لجماهيره! يقدم لنا الفيلم الرائع والمثير للجدل Gangs of New York. مجدداً مع دانيال داي لويس ومجدداً نيويورك في القرن التاسع عشر كما قدم لويس في The Age of Innocence. في الأولى لويس قادم من قمة السلم الاجتماعي لهذه الفترة وهذه المنطقة. هذه المرة لويس سفاح وفتوة شوارع من قاع السلم الاجتماعي لهذه الفترة وهذه المنطقة!! هذا الفيلم أيضاً يقدم لنا خليفة دي نيرو في ثنائيات سكورسيزي وإدمانه للعب بأوراقه الرابحة والتعاون الأول (ولن يكون الأخير لفترة قادمة) مع النجم المبدع ليوناردو ديكابريو. الفيلم في أجندة الرجل من عام 78 والقدر قدم لنا شخصيات أمستردام فالون (ديكابريو) و بيل السفاح (داي لويس) وقد كان في ذهنه في فترات تاريخية سابقة كلا من (بذات ترتيب الشخصيات) دان أيكريود و جون بيلوشي وفي مرحلة لاحقة ميل جيبسون و وليام دافو!! مجدداً نيويورك وعنفها وتنوعها الثقافي الغريب والاقتراب المثير للجدل خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر حول أن أمريكا بناها وسيستمر في بنائها العنف!! الفيلم يحصد عشر ترشيحات للأوسكار منها الترشيح الرابع لسكورسيزي كأفضل مخرج (تذهب الجائزة لمخرج The Pianist رومان بولانسكي).

في 2004 التعاون الثاني مع ديكابريو والفيلم الرائع لي شخصياً والذي قدم ديكابريو كمبدع يتمتع بموهبة بخلاف وجهه الوسيم The Aviator. الفيلم والذي يحكي قصة حياة المثير للجدل هاورد هيوز جاء ليحصد أحد عشر ترشيح للأوسكار حصد خمس جوائز منها لم يكن من بينها ترشيح سكورسيزي الخامس كأفضل مخرج (هذه المرة يقتنصها العجوز كلينت إيستوود عن إخراجه لـ Million Dollar Baby) الغريب أن الفيلم كان من المقرر أن يخرجه مايكل مان !! لكن عدم تفرغه جعلا الرجل يقدم السيناريو لسكورسيزي لإخراجه ويكتفي بالمشاركة في العمل كمنتج له!

في العام التالي يعود الرجل لإبداع الوثائقيات الموسيقية مع No Direction Home: Bob Dylan. ويلي ذلك في 2006 العودة للعنف والجريمة من منظور سكورسيزي الذي يفلسف للعنف من وجهة نظره (يهاجم بعض النقاد سكورسيزي لذلك) مع The Departed وهو إعادة إنتاج لفيلم من هونج كونج بعنوان Infernal Affairs. مجدداً مع ديكابريو و مات ديمون والأسطورة جاك نيكلسون. الفيلم حاضر في إذهانكم فقط أقفز إلى أن الفيلم ترشح لخمس جوائز أوسكار حقق منها أربع منها (وأخيراً) جائزة أفضل مخرج لسكورسيزي (الترشيح السادس للأوسكار). الطريف أن الأوسكار عن هذه الفئة والجائزة قدمها على مسرح الاحتفال ثلاثي من الشلة القديمة لأصدقاء سكورسيزي وهم سبيلبرج و كوبولا و جورج لوكاس!!

في 2008 وثائقي موسيقي عن أفضل فريق روك في التاريخ the Rolling Stones يلي ذلك في 2010 ظهور التعاون الرابع مع ديكابريو و Shutter Island . الفيلم كان قيد التصوير من 2007 وتوقف لأكثر من سبب قبل إكماله وتقديمه للجمهور في هذا العام ويعد أكثر أفلام الرجل نجاحاً على صعيد عوائد شباك التذاكر بما يتجاوز 300 مليون دولار. قدم الفيلم مارك روفالو في دور جيد (كان في بال المخرج وديكابريو للدور قبل الاستقرار على روفالو كلا من روبرت داوني جونيور و جوش برولين!) في 2010 أيضاً يقدم لنا سكورسيزي إنتاج تلفزيوني مميز ومجدداً عن العنف والجريمة وعالم العصابات مع Boardwalk Empire.

في 2011 يقدم لنا سكورسيزي إنعطافة مفاجئة في أسلوبه واقتراباته الدموية ويقدم لنا فيلم عائلي رائع من عوالم الفانتازيا و قصص ما قبل النوم الجميلة وبتقديم ثلاثي لأبعاد، فيلم Hugo. الفيلم حصد 11 ترشيح للأوسكار هذا العام حصد منها خمس جوائز لم يكن من بينها ترشيح سكورسيزي السابع للأوسكار حيث ذهبت الجائزة لـمخرج الفيلم الصامت الرائع The Artist ميشيل هازنافيشوس. الفيلم هو الأول من دون ديكابريو كما تلاحظون في 12 عام! الأمر الذي يصلحه سكورسيزي بتعاون جديد في مشروعه للعام القادم 2013 وفيلم The Wolf of Wall Street. روعة إبداع سكورسيزي في تقديم فيلم ثلاثي الأبعاد هنا جعلت مخرج بحجم جيمس كاميرون يعلق بعد حضوره إحدى جلسات تصوير الفيلم بقوله أنه أفضل فيلم ثلاثي الأبعاد يجيد استخدام التقنية في تقديم الرؤية! أفضل من أفلامه شخصياً متضمنا ذلك Avatar!!

سكورسيزي هو أحد أباطرة الإخراجي في هوليوود دون شك. مدرسة خاصة واقترابات ورؤى شخصية لا تبحث عما يريده الجمهور وأيضاً لا تبتعد عنه. الرجل إن أردنا رجل نيويوركي ومواطن أمريكي باقتدار لديه رؤية خاصة عن أحوال مجتمعه ينجح في كل عمل له أن يقدم لنا أحد لمحاتها كما يراها هو. العنف وما يصنعه من أفكار وخواطر وصراعات نفسية طبيعية وليست مبالغ في تحديدها وتناولها لشخوصه الأيقونية. العلاقة بالدين وبالتحديد بالكاثوليكية والتناقض العجيب بأصل الدين واقتراب الكنيسة من دعم الحب والتكافل وعدم الإيذاء والاتباع الخاص لشخوص عنيفة له وتأويلها وتكييفها له مع حياتها الدموية. المجتمع الأمريكي وبنيته النيويوركية تحديداً والقائمة على طابع خاص بها جعل اللفظ "نيويوركي" صفة بحد ذاتها تطلق على حالة خاصة من الثقافة الشعبية الأمريكية.
كل هذا يقدمه سكورسيزي "النيويوركي" بطريقته الخاصة. خط عام يلتزم به مع انعطافات مفاجئة لا ترعب ركاب قطار متعته بقدر أنها تجعلهم أكثر تشبثا برحلة المخرج وأعماله واقتراباً منه! الرجل يستعين على حوائجه السينمائية بأهل الثقة ولا يغامر. في التمثيل من دي نيرو إلى ديكابريو وفي المونتاج صديقته الوفية ثيلما سكونميكر وفي التصوير روبرت ريتشاردسون. الرجل يصعب فهم ما يريد ونقل رؤاه إلى واقع لكنه ينجح بهذه الأوراق ويجيد اللعب بها. سكورسيزي لازال في جعبته الكثير والجميل أنه من المخرجين المتطورين بتطور الجمهور وحتى تقديمه لرؤاه ومواضيعه يختلف من مرحلة زمنية لأخرى باختلاف الجمهور. لهذا كله وأكثر، استحق الرجل أن يكون أحد أباطرة الإخراج في السينما الأمريكية وأولى محطاتنا وإياهم.



تعليقات