ليل/ خارجي: لعبة التوازن في مسارات القاهرة

  • نقد
  • 11:55 صباحًا - 23 ديسمبر 2018
  • 3 صور
  • 2,431 مشاهدة



لعل أول ما يمكن أن يوصَف به "ليل خارجي" أنه فيلم مسلي، وهو وصف قد يثير قليل من الريبة بالنسبة لمن يعرفون سينما المخرج "أحمد عبدالله" البعيدة عن التسلية والمرح والأقرب لسينما الـ Art House أو سينما الأفكار والمواضيع والمشكلات المختلفة عن النمط السائد للإنتاجات المصرية.

أحمد عبدالله في فيلمه هذا أراد -كحال أي مخرج في أي فيلم له- أن يتواصل مع الجمهور، وهذا يأتي -بالنظرة الأولية البسيطة للأمور- عن طريق إيجاد المعادلة المثلى لثنائية (ما يريد المخرج قوله/تقديمه) و(كيف يقدمه حتى يصل للمُشاهد)، هو هُنا يعدل عن الطريق المعهود في أفلامه الأربعة الأولى (حيث المشكلات التي يتعرض لها الأبطال تأخذ منحىً أكثر جديّة)، ليصنع فيلمًا بعيدًا إلى حدٍ ما عنهم في أسلوبه، بتركيز أكبر على الشق الثاني من عملية تواصل الفنان مع جمهوره، فيُحمّل عبدالله فيلمه بمعالجة خفيفة الدم ومسلية للغاية لموضوع يتحدث عن الصراع الطبقي والجندري لثلاث شخصيات تمثل كلًا منهم طبقة اجتماعية وثقافية مختلفة في القاهرة.

لكن رغم قوة هذا الطرح، إلا أنه لم يمنع الفيلم من وجود عدة سلبيات، فمشكلتي الرئيسية مع "ليل خارجي" هي بغياب التجانس بين القصة الجانبية الموازية لقصتنا الواقعية (وتأتي بشكل هلاوس تطارد "مو/كريم قاسم")، وبين القصة الفعلية، لم أرَ أي تجانس، أو سببية واضحة ومؤثرة بينهما، لدرجة يمكنني معها تخيّل أن الفيلم لم يكن ليتأثر لو حذفت هذه المشاهد واستُبدِلت -مثًلا- بحدث ما قوي نعلم به حالة التشوش والتخبُّط التي ترافق شخصية "مو" المخرج.

وبالنسبة للعلاقة بين الشخصيات، فبما أن هذه العلاقة بين الثلاثي (مو/المخرج - توتو/فتاة الليل - مصطفى/سائق التاكسي) هي محور الفيلم بأكمله، فلا بد من الحديث عن الكيفية التي بدأت بها العلاقة، وهي حقيقةً لم تقنعني، إذ لم يكن هناك ممهدات كافيةً، وفجأة وجدنا أنفسنا رفقة ثلاثة أشخاص معًا في عربة تاكسي واحدة كأنهم أصدقاء قدامى منذ أيام الجامعة (هم في واقع الأمر يلتقيان ببعضهما لأول مرّة هذه الليلة).

لقطة من الفيلم


أما مأخذي الأخير فهو شيء متعلق بأحمد عبدالله ذاته، فرغم حبي الشديد لسينماه، واعتباري فيلمًا كـ"ميكروفون" من أفضل الأفلام المصرية التي شاهدتها، إلا أنه -وبملاحظة أعماله الأخيرة- نجد أنه يكرر نفسه بعض الشيء.. نعم، لا مشكلة في أن يتحدث مخرج عن (السيــنما) في كل أفلامه، السينما هُنا هي طريقة يرى بها المخرج وترى بها شخصياته العالم التي تعيش فيه، وتحاول آملةً حل مشكلاتها واستكشاف ذاتها عن طريق صناعة الأفلام، لكن الأمر أصبح "أوڤَر" قليلًا في هذا الفيلم بسبب هذا التجاور السردي الذي لم أرَ سبب واضح لدَرجهُ بالفيلم، أو على الأقل لم يصلني ما قصده المخرج.

عامةً أظن أنه يجب على مخرجين السينما أن يتحدوا أنفسهم ويَخرجوا عن جلدهم بين حين وآخر بحكي أنواع شتى من الحكايات، صحيح هناك بصمات عند بعضهم (لا أريد القول "معظمهم")، كأن تتكرر موتيفة أو أسلوب أو تيمة معينة بأفلامهم، لكني هنا ومع "ليل خارجي" أشعر أن عبدالله بدأ عملية التكرار هذه في "قصصه" ذاتها لا في أسلوبه/نهجه، وهذا نتيجةً عن ارتباط كل شخصيات أفلامه بالسينما والفيلماكينج، وبطريقة تجعلني أتسائل: أهناك فيلمًا سيقدمه عبدالله فيما بعد سيخلو من هذه الجزئية؟

أحمد عبدالله مخرج واعد، ولديه عين قوية في التقاط تفاصيل الأشياء، لكن رؤيته للسينما الخاصة به تشعرني دائمًا أنه شخص "سينيفيل" يعشق وسيط السينما ذاته، ولا يستطيع التخلي عن حديثه عنها أينما وجد!.. وهو أمر جميل ورومانسي للغاية، لكنه أيضًا قد يكون مملًا وغير ملائمًا إن لم يوضع في السياق المناسب.

أتمنى أن أرى في القادم من أعماله تغييرًا نوعيًا فيما يقدمه، لأن عبدالله لديه من الموهبة والمهارة الكثير لصنع أشياء أفضل. .

اقرأ: فيلموجرافيا: سينما أحمد عبدالله.. تجريبٌ وخروج عن النمط

شوارع القاهرة ليلًا - الممثل كريم قاسم


لنعد للفيلم، ما المميز في "ليل خارجي" أو ما الأشياء التي تطورت في سينما "عبدالله" بعد أن انتظرنا أربع سنوات كاملة لنُشاهد فيلمًا جديدًا له؟

يبدو السؤال مترقب للغاية للتفاصيل هنا، ها!، ربما هذا ليس نوع السؤال المفترض إذا علمنا أن الفيلم برمّته كان بمثابة ما يشبه الـ"بريك" لمشروع فيلم آخر مكلّف التحضيرات والمجهودات يريد عبدالله صناعته مستقبلًا، فقد صرّح أحمد عبدالله سابقًا أنه كان يعمل السنوات الثلاث الماضية على هذا المشروع، وبينما هو في ذروة المشاغل والصعاب فكّر بأن يعمل على فيلم آخر مع المخرجة "هالة لطفي" (مديرة شركة "حصالة" للإنتاج)، ربما هذا يغير من رؤيتنا قليلًا للفيلم ويفسر بعض الأشياء لسبب اختلافه لأفلامه السابقة.

لكن لنجاوب على السؤال، المميز في "ليل خارجي" هو ثلاثة أشياء أساسية؛ أولهما أنه فيلم "مسلي" من المقام الأول، وثانيهما أنه فيلم "ممتع" للغاية، بمعنى أنه من الصعب على شخص أن يخرج من الفيلم وهو ليس سعيدًا وقد قضى قرابة الساعة والنصف الشيّقة المليئة بالمواقف الممتع مشاهدتها، وأخيرًا، هو فيلم "ظريف" للغاية أيضًا.

فأولى النقاط التي تحسب للفيلم أنه خفيف على القلب رغم سرده المتجاور المعبر عن الحالة السيكولوجية المؤرّقة للشخصية البطلة، لكنه مع ذلك لا يستدعي تفكيرًا كثيرًا، هو فقط يطلب منك متابعته دون عناء، ونتيجةً لهذا يصبح الفيلم ممتع وشيق وجذاب وملئ بالمواقف الظريفة منذ مشاهده الأولى حتى الأخيرة، وكل من شاهَد الفيلم يعلم من أي تأتي هذه الظرافة، فشخصية "مصطفى" التي قدمها "شريف دسوقي" هي أكثر ما تعبر عن حالة وروح الفيلم، وهي تكاد تكون الشخصية الرئيسية من فرط أهميتها وسرقتها للأضواء.

[...]

الفيلم بالمُجمَل يُشعركَ أنه "سهل"، بمعنى أنه من السهل تصوير هذا المشهد أو ذاك، أو أنّ الفيلم بأكمله كان من السهل صناعته، وحقيقةً لا أدري أهذا شعور جيّد أم سيء..!

"ليل خارجي" هو فيلم جيد جدًا، وأنا شخصيًا لم أشعر هذا الإحساس بمُشاهدتي لفيلمًا "مصريًا" حديثًا منذ زمن طويل، أنتَ هنا ستشاهد فيلمًا مصريًا فعلًا، سترى مشاهد لشوارع القاهرة في الصباح وفي الليل، ستشعر بأجواء القاهرة الحقيقية من أصوات أغنيات شيرين ومحمد حماقي بالراديو. من زاوية أخرى، فـ"ليل خارجي" هو من النوع الذي يجعلك على نهايته تغفر وتتناسى مشكلاته، لأن إيجابياته وقيمته الكلية أكبر من مشكلاته، ولأن عبدالله -هذه المرة- يقرر الاستماع للجمهور لما يحب أن يراه، ويصنع فيلمًا "على هواه" جزئيًا، وفيلمًا يمكن وصفه بالجماهيري، ولا أعتقد أن هناك من سيرفض فكرة مُشاهدته أكثر من مرة دون أن يمل منه.



تعليقات

أرسل