نادين لبكي: أبطال "كفرناحوم" لاجئون حقيقيون.. وتمنيت الفوز بالأوسكار لهذا السبب!

  • حوار‎
  • 04:45 مساءً - 2 مايو 2019
  • 9 صور



مخرجة وممثلة لبنانية استطاعت في وقت قصير للغاية الوصول إلى حلم يتمناه الجميع من كل أنحاء العالم بعد وصول فيلمها الأخير "كفرناحوم" للقائمة النهائية كأفضل فيلم أجنبي في مسابقة "الأوسكار"، كما أثبتت من قبل أن لها رؤية ونظرة في تناول قضايا المجتمع بشكل مختلف، حيث قدمت من قبل أفلام "سكر بنات" و"وهلأَ لوين ؟" ونالوا إشادة واسعة بعد عرضهم في السينمات، (السينما.كوم) حاورت المخرجة نادين لبكي عن فيلمها "كفرناحوم" بعد طرحه في دور العرض المصرية، فإليكم الحوار..

في البداية، ماذا قصدتِ من تسمية فيلمك "كفر ناحوم"؟ هذا المصطلح يعني الخراب، ويستعمل باللغة الفرنسية وأنا كنت أكتبه وأنا صغيرة واستعمله كثيرًا، وبالفيلم أنا أعني معنى هذا المصطلح.

كيف تعاملت مع الطفل الذى يؤدي دور البطل زين ليظهر بهذا الشكل الغاضب والمشحون طوال الفيلم؟ لأن في الحقيقة زين -وهو اسمه الحقيقي أيضًا- يعيش حياة قريبة من حياة الطفل زين في الفيلم، فهو بالفعل غير متعلم ولم يذهب إلى المدرسة ولم يكن يعرف يكتب اسمه عندما قابلته، والفارق الوحيد بينهما أن زين الحقيقي لديه أهل يحبونه ويهتمون لأمره، ولا يتسول أو يعمل في الشارع، ولكنه تربى على اللعب والجري في الشوارع فاختبر هذه الحياة بشكل مختلف.

وكيف وصلت إليه؟ من الشارع، فنحن كنا نعمل كاستينج الفيلم في الشارع ونجرب كل طفل نراه في كل شوارع لبنان، وعندما رأته مسئولة الكاستينج في إحدى المرات التي كانت تبحث بها في الشوارع، قررنا أن هذا هو زين الذي كنا نبحث عنه، فهو بالفعل مختلف عنده ذكاء غير عادي وسرعة بديهة، وكل هذا اكتسبه من الوجود في الشارع، لأنه رأى دنيا أخرى، وهذا ما كنا نريده في زين بالفيلم، أن يظهر كل هذا من وجهه وعيونه، وحتى على جسده، فزين في الفيلم عمره 12 عامًا، ولكن جسمه أصغر من هذا نتيجة سوء التغذية والحياة الفقيرة التي يعيشها، وبالفعل عندما التقيت زين كان عمره 12 سنة ولكن جسده بعمر طفل 7 سنوات فقط.

كيف تعاملت معه وهو لا يعرف القراءة والكتابة.. وكيف استطاع أن يحفظ السيناريو والحوار المطلوب منه؟ بصراحة هو موهوب ويعتبر معجزة، فهو صبي غير طبيعي في أدائه، وكان يحفظ موضوع المشهد ويفهم جيدًا دوره، ونحن لم نكن نسير على سيناريو معين بل نرتجل ونترك الحوار يخرج كما يريد الممثلون بعد شرح الموقف لهم، لأنني كنت أريد الفيلم يخرج طبيعيًا، فلم أرغب أن يردد الممثلون الحوار كالببغاوات، بل يشعرون به ويقولون ما يحسونه، ليظهر كل شىء طبيعيًا، وأنا كنت بجوار الممثلين طوال الوقت وأتحرك معهم وأقول لهم ما يجب أن يقولوه في المشهد، وبصراحة من عانى معي هنا هو مونتير الفيلم ليحذف صوتي من كل المشاهد.

من يشاهد الفيلم يجده محملًا بكثير من القضايا.. فلماذا كل هذا التكثيف في الأحداث؟ لأن في الحقيقة الواقع أكثر عنفًا، وأضع معك شرط إذا لو زرت عائلة مثل "زين" سوف تجدهم غير مسجلين وبدون بطاقات هوية، ولا يذهبون إلى المدرسة، كما أن واحدة أو اثنتان من الفتيات مرت بزواج في عمر قصير، فمبجرد أن تبلغ الفتاة في مثل هذه المجتمعات تباع وكأنها صفقة. هذا بالإضافة إلى مقابلة اللاجئين بعضهم البعض وتضافرهم في نفس المشكلات داخل النطاق الذي يعيشون به، فكل هذه الموضوعات لا يجوز ألا نحكي عنها، لأنها مرتبطة ببعض فهذا كله نتاج أنظمة فاشلة، والمشكلة تبدأ عندما يخلق الإنسان، فكيف يمكن للأب أن يسجل ابنه والتسجيل قيمته تصل مثلا لعشرة آلاف ليرة، فمنذ لحظة الميلاد، وسوء الحظ يقابل الطفل المولود فلا يكون له حق بالعلم ولا بالعمل بمعنى أنه غير موجود.

كادرات التصوير نقلتِ فيها صورة حية لواقع اللاجئين المشرد.. كيف حدثت المعايشة؟ الحقيقة أنني قضيت ثلاث سنوات بالإصلاحيات والسجون والشوارع، كنت أنا وفريق العمل نحكي مع الناس، لأني شعرت أنه لا حق لي أن أتخيل القصة وأنسج الأحداث من وحي خيالي، وبالتأكيد هناك جزء من الخيال بالفيلم، لكن كان لابد من معايشة حقيقية، حتى الرسومات التي ظهرت على الحيطان حقيقية، وكذلك السجناء الذين صورنا معهم بالواقع وغيرها من التقاصيل، من هنا نشعر بالحقيقة ونحن نسعى بالأساس لنكون الوسيلة التي توصل صوت الناس وليس وسيلة مصطنعة لذلك بقدر المستطاع لم نكن نغير الديكور حتى نحافظ على حالة الواقع.

لماذا تختارين دائمًا ممثلين هواة لأفلامك؟

اختيار ممثلين غير محترفين كان ضرورة وليس خيارا فى هذا الفيلم، لأنه ينقل واقعًا معينًا، نحن كفريق عمل كنا وسيلة لإيصال الصورة وصوت المعاناة، حتى طريقة التصوير كانت بسيطة واستخدمنا الإضاءة الطبيعية، كنا نصور على ديكور حقيقي سواء في المنازل أو السجون، لم نضف أي شيء على الحقيقة حتى الرسومات على الحيطان والبيوت، والأماكن التي ينام بها الأطفال على الأرض كانت حقيقية، لم نغير الواقع.

هل كان جميع الأبطال لاجئون حقيقيون ؟ نعم، فأنا الممثلة الوحيدة بالعمل، وجميعهم بالفعل غير محترفين، ومن بيئة تقترب كثيرًا مما ظهر بالفيلم، والحقيقة كان لدي فريق عمل كبير كانوا يذهبون على مدار اليوم في السجون والشوارع والإصلاحات، ويجرون حوارات مع اللاجئين حتى أن "زين" نفسه بطل الفيلم وهو لاجيء سوري يعيش بإحدى المناطق المهمشة كثيرًا بلبنان وجده فريق العمل على الطريق في رحلة البحث، وهو لاجيء منذ ثماني سنوات، ورغم أننا عندما بدأنا التصوير كان عمره ١٢ عامًا، إلا أنه يبدو وكأنه سبع سنوات لأن جسده نحيل. والحقيقة أن "زين" عاش أزمات كثيرة، فكم من عنف تعرض له، فنحن نتحدث عن حياة طفل بالشارع وهو ما جعله يتحمل المسئولية فكل ما ظهر بالفيلم حقيقي في حياته باستثناء أهله، لأنهم بالفعل يحبونه كثيرًا، وحقيقي هو طفل موهوب فهو لم يكن يمثل، هو يروي حقيقته، وهذه هى الحكمة التي كنت أريد الوصول إليها، بمعنى أن يظهر هؤلاء اللاجئين في الأحداث بشخصياتهم الحقيقية، ورغم أن هناك حوارًا مكتوبًا بالفيلم، لكن تجدر الإشارة إلى أنه كان هناك كثير من الارتجالات، والحمد لله بعد الفيلم أحواله تحسنت وأصبح يذهب للمدرسة.

وكم استغرق تحضير الفيلم كاملًا؟

عملنا على الفيلم خلال 4 سنوات، والفكرة جاءت من إحساسي بالمسئولية، فأنا أعيش بلبنان وأرى منظر الأولاد بالشوارع يعملون ويتعرضون للعنف، وكان لا يمكن غض النظر أكثر من ذلك عن هذه الجريمة، ولا بد من فهم حجم الكارثة التي نعيشها في لبنان والشرق الأوسط، بل في العالم. هناك أولاد تعرضوا للإهمال والاغتصاب والضرب والتحرش لدرجة أنهم أصبحوا لا يشعرون بشيء ولا يقدرون على اللعب، أصابتهم حالة من الصدمة التي ستكبر معهم وتهدد مستقبلهم وتمهد لكارثة إنسانية كبيرة.

نادين لبكي

ما شعورك بعد خسارة جائزة الأوسكار؟

أنا سعيدة بوصول فيلم «كفرناحوم» للقائمة القصيرة لترشيحات الأوسكار، وهو أمر هام وكبير للغاية، بالطبع كنت أتمنى الفوز بالجائزة لإلقاء كلمة أسلط فيها الضوء على أهمية صناعة الأفلام التي تكافح لحل أزمات المجتمع، والحديث عن السينما اللبنانية والعربية من باب المسئولية التي تقع على عاتقنا جميعًا لإحداث التغيير.

هل كان السباب والألفاظ الجارحة في الفيلم مفتعلًا؟

لا لم يتم افتعالها، وكانت طبيعية جدًا، و"زين" بطل الفيلم لديه من المسبات والألفاظ أكثر مما ظهر.

كيف واجهتِ الانتقادات الموجهة للفيلم؟

لم أنزعج من رفض الفيلم أو انتقاده، دائما أول ردة فعل إنسانية تكون رفض مشاهدة العيوب والأشياء الشاذة، ولكنها الحقيقة والوضع الحاصل وهو أسوأ بكثير مما ظهر، لكن أيضًا كان للفيلم ردود فعل إيجابية كثيرة واستجابة للمشاعر الإنسانية التي يطرحها.

بعض الآراء قالت إن مدة عرض الفيلم طويلة بعض الشيء.. فما ردك؟

الفيلم الأصلي مدته تصل إلى 12 ساعة، تكفى لصناعة فيلم جديد، وأصبت بكثير من الإحباط حينما اضطررت لاختصاره في ساعتين وتقليل المشاهد حتى لا يجد مشاهد السينما صعوبة في مشاهدة كل هذا الوقت ويكون في حالة من التركيز الكامل، ولكن ساعتين مدة كافية.

بعد وصولك إلى الأوسكار بفيلم "كفرناحوم" ما تأثير ذلك على خطوتك القادمة.. وهل يمكن أن تقدمي فيلمًا خفيفًا مثل فيلمك الأول "سكر بنات"؟

ليس له أي تأثير عادي، فهو مجرد فيلم ومر، وأنتظر الخطوة التالية، وممكن أقدم فيلمًا خفيفًا وبعيدًا عن القضايا، فالقصة هي التي تجذبني، ولا أعرف ما سأقدمه، لأن القصة هى ما تأتي لي ولا أذهب أنا إليها، أشعر بحاجة ملحة لنقل القصة إلى السينما فأبدأ وقتها في العمل.

هل يمكن أن تقومي بإخراج أفلام خارج لبنان في مصر أو دبي أو أمريكا؟ ممكن بالطبع، ولكن لا بد أن أشعر بالموضوع، فهي لن تكون مجرد تجربة، لأنه أمر مغرٍ العمل خارج لبنان، وأشارك صناع سينما عالميين في تقديم عمل مختلف، ولكن لا بد أن يكون هناك موضوع قوي لهذا التعاون.



تعليقات